دفعة الأمل حين يلتقي تخرّجنا بنوفمبر المجيد وتكتمل الحكاية

مقال رأي/الدستور الإخبارية/خاص:

بقـ🖋ـلم/سياف مثنى النميري

 

اليوم، وأنا أقف ببدلتي العسكرية تحت شمس نوفمبر التي تلمع فوق الساحة كأنها تُبارك خُطانا أشعر بأنني لا أحتفل بتخرّجي فحسب، بل أحتفل بميلاد رجلٍ جديد بداخلي، رجل صاغته الكلية الحربية عدن من صلابة الانضباط، ومن وهج الانتماء، ومن صبر الأيام الثقيلة التي علمتني أن الميدان لا يمنح مجده إلا لمن يستحقه.

وما يجعل هذا اليوم أكثر وقارًا أن عبيره يأتي متزامنًا مع الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الجلاء الوطني، ذلك اليوم الذي نهض فيه الوطن من بين جراحه ليقول للعالم هنا الأرض التي لا تنحني وهنا الشعب الذي يعرف كيف يخلع قيوده بيده.

أنا أحد أبناء الدفعة الثانية والخمسون حربية، الدفعة التي لم تُسمَّ بالأمل عبثًا، بل سُمّيت لأن على كاهلها وُضعت مسؤولية النهوض ومسؤولية إثبات أن المستقبل يمكن أن يولد من أصعب اللحظات، منذ أن عبرنا بوابة الكلية في عام 2023، ونحن نحمل الاسم كراية، ونحمله اليوم كعهدٍ لا يُنقض.

وها أنا أقف في صباح تخرّجي، أقطف ثمار السنين التي مضت، معلنًا ارتدائي لرتبة ملازم ثانٍ، وحصولي على البكالوريوس في العلوم العسكرية بتقدير (ممتاز 90)، إنجازٌ لا تصنعه شمس الضحى، بل تصنعه الأيادي التي لا ترتعش، والقلوب التي تؤمن بأن الجهد لا يضيع، وأن التعب يثمر مهما طال الطريق، لقد صنعناه نحن بعرقنا، وبأيامٍ لم تُفتح لنا فيها أبواب الراحة.

نحن الدفعة التي عاد بها النبض إلى الكلية الحربية عدن بعد سنينٍ من الصمت والإغلاق، فعاد معنا صوت الطابور الصباحي، وصدى خطوات الانضباط، ورائحة التراب الذي يعرف وجوه المقاتلين الحقيقيين، تمرّسنا تحت صعوبات لا يلين لها إلا من اختار بنفسه هذا الطريق، وتعلّمنا أن المجد لا يأتي مجرّدًا بل مبللًا بالكدّ والمشقّة.

وقبل يومين من هذا الفرح، شهدت ساحات الكلية ليلة لن تنساها قلوبنا، أمسية أضاءها الحضور وأحياها الفنان أحمد قاسم بصوته الذي جعل الهواء يرقص بين الصفوف وفي تلك الليلة، وقف أبناء الدفعتين الثانية والخمسين والثالثة والخمسين كتفًا إلى كتف، يتحركون في رقصة جماعية كأن الأرض تحتهم تتنفس فرحًا، شاركهم فيها الضباط ونائب مدير الكلية، ليقولوا لنا بطريقة لا تُنسى نجاحكم هو فخرنا وحضورنا بينكم هو احترامٌ لتعبكم.

ولم يكن لنا أن نصل إلى منصة التخرّج لولا أولئك الرجال الذين كانوا آباءً في معنى الكلمة، المدرسون والمدربون أولئك الذين صبروا على أخطائنا، وشدّدوا علينا حين يجب الشدة، وفتحوا لنا أبواب المعرفة والخبرة دون أن يطلبوا مقابلًا لكل واحد منهم نقول شكرًا، فقد صنعتم فينا ما لا تصنعه المناهج وحدها.

وفي لحظة رفعنا فيها رؤوسنا لاستقبال الشهادات، خُيّل إليّ أن أصوات ردفان القديمة تتردد في المدى، وأن روح نوفمبر تمرّ فوق صفوفنا رقيقةً كدعاءٍ أو كوصيّةٍ تُقال في آخر الليل أكملوا الطريق، فالطريق لم يكتمل بعد.

عيد الجلاء ليس تاريخًا نردده، بل درسًا نحمله في صدورنا: أن الحرية لا تُوهَب، وأن الوطن ليس كلمة تُتلى، بل مسؤولية تُعاش، وأن الرتبة ليست لمعانًا على الكتف… بل عهدًا يُكتب في القلب.

وإلى رفاقي أقول

امضوا كما عرفناكم، ثابتين لا تحنيكم الريح، واحملوا راياتكم كما حمل رجال الجلاء راياتهم، عالية لا تهوي، وكونوا كما أرادنا الوطن… أملًا لا ينطفئ.

مباركٌ لنا تخرّجنا

ومباركٌ للوطن الذي نكبر به ويكبر بنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى