من ذاكرة التاريخ: الدكتور أنيس أحمد علي أحمد.. اثنان وأربعون عاماً من العطاء الأكاديمي والوفاء الإنساني
كتابات وآراء/الدستور الإخبارية/خاص:

بقلـ🖋ـم/ وائل أنيس أحمد علي
تستعيد ذاكرة الوفاء في قلوب أبناء العاصمة عدن، ملامح واحد من فرسان العلم والبحث العلمي الذين غادروا دنيانا بصمت الكبار، تاركين خلفهم إرثاً لا يمحوه الزمن.
الدكتور القدير أنيس أحمد علي أحمد، الذي ولد في 14 نوفمبر 1949، كرس حياته لخدمة العلم والوطن على مدار 42 عاماً من البذل المستمر، حتى رحيله في 27 ديسمبر 2012.
لقد كان الفقيد رمزاً للجيل الذي غرس بذور المعرفة والبحث العلمي الرصين في عقول أجيال متعاقبة، مجمعاً بين التواضع الجم والتمكن العلمي العالمي.
رحلة العلم من العاصمة عدن إلى بولندا
بدأ الدكتور أنيس مسيرته الأكاديمية بحصوله على بكالوريوس أحياء كيمياء من جامعة عدن عام 1981، لكن طموحه العلمي لم يتوقف عند هذا الحد. شد الفقيد الرحال إلى بولندا ليغترف من علومها، حيث نال درجة الماجستير في بيئة بحرية عام 1995، ثم توج رحلته بالحصول على درجة الدكتوراه في بيئة بحرية وتلوث بحري عام 1997.
عاد الدكتور أنيس إلى وطنه محملاً بخبرات دولية، ليساهم في تطوير البحث العلمي في العاصمة عدن، متدرجاً في المناصب الأكاديمية حتى نال درجة “أستاذ مشارك” بقسم الأحياء في كلية التربية بجامعة عدن.
بصمات إدارية وقيادية خالدة
لم يقتصر عطاء الدكتور أنيس على قاعات المحاضرات، بل كان قائداً أكاديمياً فذاً ترك بصمته في العديد من المؤسسات.
شغل منصب عميد جامعة سبأ (فرع عدن) خلال الفترة من 2007 إلى 2009، كما تولى مسؤولية قسم البحوث والتطوير بمركز دراسات وعلوم البيئة بجامعة عدن.
كان الفقيد عضواً بارزاً في لجان تحكيم الجوائز العلمية الكبرى، منها لجنة تحكيم جائزة جامعة عدن لتشجيع البحث العلمي، ولجنة تحكيم جائزة رئيس الجمهورية للبحث العلمي لدورتين متتاليتين، مما يعكس الثقة الكبيرة في علمه ونزاهته الأكاديمية.
إرث علمي وبحثي يخدم الأجيال
ترك الدكتور أنيس خلفه ثروة علمية هائلة تتمثل في 36 بحثاً منشوراً في مجلات علمية مرموقة، تناولت قضايا بيئية حساسة مثل تلوث البحار، وتراكم المعادن الثقيلة في السواحل، ودراسات الأحياء الدقيقة.
كما كان له دور تربوي بارز من خلال مساهمته في إعداد مناهج التعليم الأساسي والثانوي في مادة الأحياء، وتأليف كتب مدرسية لا تزال تنهل منها الأجيال. إن إشرافه على أكثر من 10 رسائل ماجستير في قضايا بيئية دقيقة يمتد أثرها من دلتا أبين إلى سواحل عدن وسقطرى، يؤكد أنه كان مدرسة بحثية قائمة بذاتها.
الأب والمربي والشخصية الاجتماعية
بعيداً عن الأرقام والمناصب، كان الدكتور أنيس يمتلك كاريزما الهدوء والوقار التي تجذب الناس إليه.
لقد كانت علاقته بطلابه تتجاوز حدود المحاضرة لتصبح علاقة الأبوة الصادقة، يعاملهم برفق ومحبة كأنهم أبناؤه، يحرص على تميزهم ويهتم بظروفهم. كان شخصية اجتماعية محبوبة، يشاركه الجميع التقدير والمودة لعشرته الطيبة ونبل أخلاقه.
إن بيته الذي تأسس على الفضيلة والمودة، والذي يفخر اليوم بهذا الإرث الأخلاقي والعلمي، يظل الشاهد الأول على حياة رجل عاش عزيزاً ورحل كريماً، مخلفاً وراءه “اثنان وأربعون عاماً من العطاء” ستبقى محفورة في وجدان العاصمة عدن وجامعتها العريقة.
اللهم ارحم الدكتور أنيس أحمد علي أحمد رحمة واسعة، واجعل علمه الذي علمه للناس صدقة جارية في ميزان حسناته إلى يوم الدين. اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، ونقّه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، واجمعنا به في جنات النعيم على سرر متقابلين.
ختاماً
أخي القارئ، لعل الكثيرين ممن مروا على اسم كاتب هذا المقال في البداية، ظنوا أنه مجرد زميل درب أو تلميذ وفيّ يكتب عن أستاذه من باب الوفاء، لكن الحقيقة التي يرتجف لها قلمي الآن، هي أنني أتشرف بكوني ابنه الذي يحمل اسمه ويسير على ضياء ذكراه.
لقد كتبتُ هذه الكلمات بدموع الفخر والاعتزاز بتاريخ والدي المشرف، وبقلبٍ يشتاق لرجلٍ كان لي عالماً قبل أن يكون أباً، ووطناً قبل أن يكون سنداً.
إنني أضع بين أيديكم قصة حياة رجل لم يورث لي كنوزاً بقدر ما ورث لي اسماً يفتح الأبواب، وسيرةً تجعلني أرفع رأسي في كل محفل، وفخراً سأظل أحكيه لأبنائي عن جدهم الذي أضاء عقول الآلاف ورحل طاهراً نقياً كما عاش.
ألبوم صور من ذكرى والدي الدكتور أنيس أحمد علي أحمد رحمه الله:














