معركة الكرامة.. ملامح الخلاص ومسارات استعادة الدولة
مقال رأي/الدستور الإخبارية/خاص:

كتب | نبيل غالب
اثنا عشر عاماً واليمن يرزح تحت وطأة مشروع دخيل لم يعرف تاريخه مثيلاً له في القبح والعنصرية. اثنا عشر عاماً عاثت فيها مليشيا الحوثي في مقدرات اليمنيين فساداً، نهبت الدولة ومؤسساتها، فجرت المنازل ودور العلم، جرفت الهوية الوطنية، وزرعت الخوف والجوع في كل بيت.
اثنا عشر عاماً من الجبايات والقتل على الهوية وتجنيد الأطفال وزراعة الألغام، حتى ظن البعض أن اليمن قد استسلم لليل الطويل، لكن الشعوب الحرة لا تموت وإن طال ليلها، وها هو اليمن اليوم ينهض من بين الركام ليخوض معركته الأخيرة والأقدس، معركة الكرامة.
لم تعد المعركة مع هذه المليشيا معركة على سلطة أو منصب أو خلاف سياسي يمكن حله على طاولة حوار، إنها معركة وجود وهوية وكرامة. فالحوثي لم يأتِ بمشروع دولة، بل جاء بمشروع سلالة تدعي الاصطفاء الإلهي وترى في اليمنيين مجرد أتباع لا حق لهم في الحياة إلا إذا سبحوا بحمد السيد.
لقد داس الحوثي على كرامة اليمني حين أذله في طوابير الغاز والبترول، وحين قطع راتبه ليعيش هو من عرق جبينه، وحين اختطف ابنه من المدرسة ليزج به إلى متارس الموت. لذلك فإن معركة الكرامة هي معركة استعادة لكرامة المعلم المنهوب والجندي المظلوم والمرأة التي اختطف زوجها والطفل الذي سرقت طفولته.
وهذه المعركة التي تقودها اليوم القيادة السياسية والحكومة الشرعية لم تعد تدار بعقلية السنوات الماضية، فقد استوعبت القيادة دروس الماضي وأدركت أن الحوار مع مليشيا لا تؤمن بالدولة ولا بالشراكة هو مجرد إطالة لأمد المعاناة.
إننا نرى اليوم توجهاً جاداً نحو توحيد القرار السياسي والعسكري وتفعيل مؤسسات الدولة والعودة إلى الداخل لتكون الشرعية شرعية أفعال على الأرض لا شرعية بيانات.
وإلى جانب الشرعية تقف المقاومة الشعبية والقوات المسلحة الجنوبية ومأرب الصمود التي كسرت غرور المليشيا، إلى الساحل الغربي وتعز العز وشبوة والضالع وأبين، وقبلها عدن الباسلة، مسنودة بالتحالف العربي ودول العالم الخيرة، تلك القوات التي قاتلت بأقل الإمكانات وأعظم إرادة وأسقطت أسطورة الحوثي الذي لا يهزم.
وما كان لهذا كله أن يكتمل لولا الركن الثالث والأهم، وهم الشرفاء من أبناء الشعب اليمني، تلك الحاضنة الشعبية الرافضة للمليشيا حتى في قلب مناطق سيطرتها، ذلك الغليان الصامت في صنعاء وذمار وإب والحديدة الذي ينتظر لحظة الانفجار الكبير، فلا يمكن لمليشيا أن تحكم شعباً يكرهها مهما امتلكت من سلاح.
أما ملامح المرحلة القادمة فهي لم تعد مجرد تكهنات، بل حقائق تتشكل على الأرض.
فعسكرياً انتهى زمن الدفاع والكمون ومرحلة إدارة الأزمة، ونحن مقبلون على استراتيجية الضغط المتعدد الجبهات واستنزاف المليشيا المنهكة التي تعاني من صراع قياداتها وعزوف القبائل عن رفد جبهاتها بالمقاتلين.
واقتصادياً فإن المعركة لا تقل ضراوة، فتجفيف منابع تمويل الحوثي عبر توحيد الإيرادات ونقل البنوك ووقف تهريب النفط الإيراني ووقف جباياته التي ينهب بها قوت الناس هو سلاح سيخنق مشروعه.
وسياسياً وإعلامياً سقطت كل أوراق التوت عن هذه المليشيا، فالعالم كله بات يدرك أن الحوثي ليس إلا ذراعاً إيرانية لتهديد الملاحة الدولية والابتزاز، وأن متاجرته بالقضية الفلسطينية لم تكن إلا غطاءً لمشروعه السلالي.
إن معركة الكرامة ليست خياراً نختاره أو نرفضه، بل هي قدر اليمنيين الذي لا مفر منه. اثنا عشر عاماً من الصبر والقهر كافية، وقد بلغ السيل الزبى.
إن اليمن اليوم يقف على أعتاب فجر جديد لن يصنعه الخارج مهما كانت نواياه، بل سيصنعه اليمنيون أنفسهم بدمائهم وتضحياتهم ووحدتهم.
إنها معركة لن تنتهي بمجرد دخول صنعاء، بل ستنتهي بعودة اليمن السعيد، اليمن الذي يتسع لكل أبنائه دون تمييز سلالي أو طائفي أو مناطقي، يمن الكرامة والعدالة والمساواة، وما النصر إلا صبر ساعة، وقد صبرنا اثنتي عشرة سنة.










