الحوثيرانيون .. وخطرهم على اليمن

مقال رأي/الدستور الإخبارية/خاص:

بقلــ🖋ـم| نبيل غالب

 

لم تعد الحرب الدائرة في وطني مجرد صراع على السلطة، بل تحولت مع جماعة الحوثي إلى خطر وجودي يهدد هوية اليمن وشعبه العريق.

فالخطر لا يكمن فقط في بندقية فجرت حرباً منذ 2014 دمرت الدولة وقطعت الرواتب وزرعت ملايين الألغام، بل في فكر عنصري دخيل يقسم اليمنيين إلى سادة وعبيد، وينسف مبدأ الدولة المدنية الذي أرستهثورتا 26 سبتمبر و14 أكتوبر المجيدتين، بأن الشعب مالك السلطة ومصدرها.

وهذا المشروع لم يكن ليتمدد لولا الدور الإيراني المشبوه الذي حول الجماعة من حركة متمردة محلية في صعدة إلى ذراع عابرة للحدود. فإيران هي من مدت الجماعة بالخبراء والصواريخ والمسيرات وخبرات تهريب السلاح عبر ميناء الحديدة، وحولتها من قضية يمنية داخلية إلى ورقة في معادلة الصراع الإقليمي لاستهداف الجوار وتهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، ليصبح القرار في صنعاء مرهوناً بطهران لا بصنعاء.

وعلى الأرض، تكشفت مآلات هذه الحرب الآثمة في أكثر من جبهة ومحافظة. ففي مأرب صمدت الجبهة كسد يمني جديد يحمي الجمهورية، وفي تعز تعيش المدينة حصاراً خانقاً منذ عشر سنوات كعقاب جماعي لأنها رفضت المشروع الكهنوتي، وفي الساحل الغربي بالحديدة تحولت الجبهة إلى معركة اقتصاد لقطع شريان التهريب، وفي الضالع وشبوة والجوف تتقدم القوات وتتراجع بمنطق حرب استنزاف طويلة فرضتها طهران.

وللتاريخ، لا يمكن الحديث عن صد هذا التمدد دون إنصاف الدور المحوري لعدن والجنوب في الحرب الطاحنة. فمن مدينة عدن الباسلة، انطلقت شرارة الكسر الأول للمشروع الحوثيراني في 2015، عندما تصدى الجنوبيون بصدور عارية وبسالة نادرة لمليشيات جاءت غازية، وانتصروا وحرروا عدن ولحج والضالع وأبين في ملحمة وطنية ستبقى خالدة.

لقد كان الجنوب هو المقبرة الأولى لمشروع الولاية الدخيل، ولو سقطت عدن يومها لسقط اليمن كله بيد إيران، وهذا دين في عنق كل يمني حر لن ينساه التاريخ..

أما الخطر الأعمق فهو في الداخل، حيث حولت الجماعة التعليم إلى منابر طائفية والمساجد إلى حسينيات والمناهج إلى ملازم، وجندت آلاف الأطفال عبر ما تسمى المراكز الصيفية في صنعاء وذمار وعمران وصعدة، لتصنع جيلاً لا يؤمن باليمن الجامع بل يؤمن بالولاية والمسيرة، وهو ما وثقته تقارير أممية كجريمة تجنيد ممنهجة تزرع قنبلة اجتماعية لعقود قادمة.

واقتصادياً، أنشأت الجماعة اقتصاد حرب موازٍ دمر مقومات الشعب العريق الذي بنى سد مأرب وتاجر بالبخور عبر البحار. فصادرت إيرادات الدولة السيادية من جمارك الحديدة وضرائب واتصالات، وفرضت جبايات باسم المجهود الحربي والخمس، ومنعت تداول العملة الوطنية، لتحول اليمن من دولة منتجة إلى سوق سوداء تعيش على المساعدات وتمول حربها من قوت الناس.

إن ما تمارسه الجماعة اليوم في صنعاء وصعدة والحديدة ليس حكماً بل اختطاف للدولة اليمنية وتاريخها، فاليمن الذي قاوم الأحباش والفرس عبر التاريخ، وقدم خيرة أبنائه شهداءً لطرد الاستعمار البريطاني من عدن والجنوب، لن يقبل اليوم أن يتحول إلى مجرد ملحق لمشروع ولاية الفقيه.

لذلك فإن مواجهة الحوثيين لاستعادة الدولة لا تكون بالبندقية في جبهات مأرب وتعز والساحل فقط، بل بمشروع وطني سياسي جامع يعيد الاعتبار للإنسان اليمني أولاً. مشروع يحمي كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه التي انتهكتها الجماعة بالاعتقالات والإخفاء القسري وتفجير المنازل ومصادرة الحق في التعبير، ويوحد الإيرادات والبنك، ويحمي التعليم من التطييف، ويقطع اليد الإيرانية العبثية التي تطيل أمد الحرب.

الحرب ستنتهي، لكن المعركة الحقيقية هي معركة هوية: بين يمنٍ كبير، أرض الحضارات والممالك العظيمة سبأ وحمير وقتبان ومعين وحضرموت، يمنٍ قال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، يمنٍ حرٍ عزيزٍ أبيٍّ رفض عبر آلاف السنين أن يركع لغازٍ، ومشروع كهنوتي عنصري دخيل مدعوم من طهران يريد أن يختزل هذا التاريخ العظيم كله في سلالة ويمحو ذاكرة أمة ليعيد اليمن ألف عام إلى الوراء، إلى زمن غابر.

صحيفة الدستور الإخبارية
تابع أخبارنا أولًا بأول عبر قناتنا الرسمية على تيليجرام
انضم إلى قناة تيليجرام
أخبار عاجلة وتحديثات مستمرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى