وضاح عمر سعيد… حين يتجسد النضال في هيئة إنسان

مقال رأي/عدن/الدستور الإخبارية/خاص:

في صباح مهيب تفيض فيه الأرواح خشوعا بعد صلاة العيد، لم يكن اللقاء عابرا، ولا الصدفة عادية. هناك، عند القبور حيث تختبر المشاعر صدقها، وتختلط الدموع بالدعاء، وتتجدد الذكريات في حضرة الغياب، حيث لا مجال للتزييف، التقيت بالقائد الشيخ وضاح عمر سعيد، واقفا بثباتٍ أمام قبر والده الشهيد عمر سعيد الصبيحي رحمه الله.

 

في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرد لقاء، بل كان درسا حيا في الوفاء، ومشهدا تختصر فيه سيرة وطن بأكمله.

كنتُ أزور قبري والديّ رحمهما الله، وهو يقف في ذات المكان، لكن بروح أخرى، روحٍ تحمل إرثا من النضال، وذاكرة مثقلة بالتضحيات. هناك أدركت أن بعض الرجال لا تصنعهم الظروف، بل يصنعونها، وأن بعض الأسماء لا تمر في الزمن، بل تتركه منحنيا أمام حضورها.

 

ورغم أنني لم ألتق بالشيخ وضاح منذ ما يقارب خمس سنوات، إلا أن ذلك اللقاء اختصر المسافات كلها، وأعاد ما انقطع من الزمن في لحظة واحدة؛ فبعض العلاقات لا تقاس بالقرب ولا بطول الغياب، بل بما تحمله القلوب من صدق ووفاء، فالقلوب عند بعضها وإن باعدت بينها الأيام.

 

وضاح عمر سعيد ليس رجلا عاديا، بل هو امتداد صلب لمدرسة نضالية عظيمة، تشكّلت من دماء الشهداء، وتغذت على معاني الصبر والتجلد.

رجل صقلته الحياة بقسوتها، فلم تكسره، بل زادته صلابة ووضوحا. ظل ثابتا على المبدأ، وفيا للهدف الذي قامت لأجله الثورة، هدف ارتوت أرضه بدماء الأبطال، وسقط في سبيله الشهداء تباعا، ولا يزال الطريق يُروى بالعطاء حتى هذه اللحظة.

 

إنه من أولئك الذين لا تغيرهم العواصف، ولا تشتتهم الانشغالات. قد تغيّبه ضغوط الحياة، وقد تبعده ظروف المرحلة، لكنه يظل حاضرا بثقله، راسخا بأصله، لا ينفصل عن جذوره ولا يتنكر لماضيه.

 

فالأصالة التي يحملها، والتربية التي نشأ عليها، والوفاء الذي يسكنه، كلها أعمق من أن تمحى أو تغيب، وعندما تلتقيه، لا ترى مجرد قائد، بل ترى إنسانا يفيض تواضعا، وتلمس في ابتسامته صدقا نادرا، وفي حديثه روحا قريبة لا تعرف التصنع.

 

هناك فقط، تدرك أن العظمة الحقيقية لا تصنع بالضجيج، بل تولد في صمت الرجال الكبار.

 

كيف لا يكون كذلك، وهو ابن الشهيد عمر سعيد، ذاك الاسم الذي لم يكن مجرد رجل، بل كان قضية، وموقفا، ومدرسة في الشجاعة والثبات.

رجلٌ أنجب رجلا، وربى فيه ذات المعنى، فكان الامتداد الذي لا ينكسر، والصدى الذي لا يخفت.

 

وضاح عمر… ليس مجرد وريث لسيرة، بل هو استمرار حي لها، هو ذاكرة نضال تمشي بين الناس، وشاهد على أن المبادئ لا تموت، وأن من تربى في ميادين العزة لا يعرف الانكسار.

 

سلام عليه في حضوره وثباته، وسلام على والده الشهيد، وعلى كل من جعل من حياته جسرا نحو الكرامة، ومن دمه طريقا نحو الحرية ..

 

 

#علي_المسقعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى