“شهادة مهمة وإن تأخرت”

“شهادة مهمة وإن تأخرت”
الكاتب: إبراهيم الجبري
عرفت الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة عن قرب خلال عملي معها في الامانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل إذ عملت معها في واحدة من أهم المراحل السياسية التي مر بها اليمن، ومنذ ذلك الوقت لم تكن معرفتي بها معرفة عمل عابرة بل تجربة كشفت لي معدن امرأة استثنائية وقائدة تتحمل المسؤولية بشجاعة وهدوء.
خلال سنوات عملي التقيت وعملت مع كثير من القيادات والشخصيات السياسية والمسؤولين في الدولة ورأيت نماذج متعددة بعضهم كان يرى المنصب فرصة لخدمة الوطن وبعضهم كان يقدم نفسه ومصالحه وحساباته على كل شيء، وعندما أقارن أجد الدكتورة أفراح كانت من أولئك القلائل الذين يضعون المسؤولية قبل الامتياز والعمل قبل الظهور والوطن قبل الذات.
يشهد الله أني لا أكتب هذا الكلام دفاعا ولا مجاملة وإنما هي شهادة أقولها بضمير مرتاح وأعتقد أن من الإنصاف قولها لأنها مبنية على معرفة وتجربة عشت تفاصيلها عن قرب .. نعم من واقع وتجربة رأينا فيها من الجدية والنزاهة والشجاعة وتحمل المسؤولية ما يجعلها في نظري أكبر من كثير من الأسماء والمناصب.
لقد عرفناها جميعا امرأة صادقة وقوية دون ضجيج، شجاعة دون ادعاء وحاضرة في المواقف الصعبة دون أن تبحث عن بطولة شخصية فقد كانت تستمع .. تناقش تتحمل الاختلاف، وتدرك أن القيادة ليست صوتاً مرتفعا ولا حضورا أمام الكاميرات وإنما قرار ومسؤولية وقدرة على العمل وسط التعقيدات.
ولهذا لم يكن خبر تعيينها مفاجئا بالنسبة لي فقد رأيته امتدادا لمسار مهني وطني طويل لا نتيجة لحسابات اللحظة .. راكمت خلاله خبرة طويلة في الإدارة العامة والتخطيط والعمل التنموي والإنساني، وفي مؤتمر الحوار الوطني الشامل ولجنة صياغة الدستور، وأدارت ملفات تتطلب معرفة واسعة بمؤسسات الدولة وعلاقاتها مع الشركاء والمنظمات الدولية وهذه الخبرة تمنحها فهما مختلفا للدبلوماسية كأداة للدفاع عن الدولة وبناء الشراكات وجلب الدعم وخدمة اليمنيين في الداخل والخارج، واستعادة مؤسسات الدولة.
والحقيقة أنني كنت أرى فيها منذ سنوات شخصية تتجاوز حدود هذا المنصب فقد ترسخت لدي قناعة بأنها من القلة من النساء القادرات على قيادة مؤسسات وطنية أكبر بما تمتلكه من كفاءة وما تحمله من مسؤولية وإخلاص في أداء الواجب.
وأشهد من واقع ما عرفته عنها أنها كانت من أوائل الأصوات الوطنية التي وقفت في مواجهة مشروع مليشيا الحوثي في وقت اختار فيه الكثيرون الصمت أو الخضوع فكان موقفها ثابتاً دفعت ثمنه لأحقاً.
بداية من تقديم استقالتها عندما بدأت مليشيات الحوثي باجتياح المدن احتجاجا على تقويض الدولة ومؤسساتها والانقلاب على ما توافق عليه اليمنيون في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ورغم ما كان يحيط بذلك الموقف من مخاطر وتبعات فقد تمسكت بما رأت أنه واجب وطني إلى أن أصدرت المليشيات حكماً بالإعدام بحقها، ومع ذلك لم تتراجع ولم تغيّر قناعاتها ولم تتخلَّ عن دفاعها عن الدولة والجمهورية وحق اليمنيين في العيش بحرية وكرامة.
خلال كل تلك المراحل أتيحت لي فرصة العمل معها في إدارة بعض الملفات ورأيت عن قرب كيف كانت تتعامل مع الظروف المعقدة والقرارات الصعبة بهدوء ومسؤولية.
ولم تكن هذه القناعة وليدة تلك المرحلة وحدها بل تعززت مع كل مسؤولية تقلدتها بدءا من رئاسة جهاز استيعاب المنح حيث واجهت كثيرا من التحديات والعراقيل واستطاعت التعامل معها بكفاءة واقتدار وصولا إلى وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبحكم عملي في رئاسة الوزراء، أتيحت لي فرصة متابعة الأداء عن قرب والاطلاع على ما تحقق خلال فترة زمنية قصيرة من خطوات عملية وإنجازات ملموسة عكست حضورا قياديا لافتا وأسهمت في أن تحظى بتقدير واسع لدى المسؤولين وشركاء التنمية، عندها ازددت يقينا بأن ما حققته لم يكن وليد المصادفة وإنما ثمرة كفاءة متراكمة، وخبرة راسخة وعمل دؤوب وإيمان عميق بالمسؤولية العامة.
ولا أريد هنا أن أسرد تلك المواقف، فلكل مرحلة رجالها ونساؤها وشهاداتها، ولكل موقف رواية تستحق أن تكتب وربما يأتي يوم نتحدث فيه عن كثير من التفاصيل التي عشناها، وعن مرحلة انتقال الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني من صنعاء إلى عدن وما رافقها من تحديات وضغوط ومسؤوليات، لكن ما أستطيع قوله اليوم بكل اطمئنان أن هذه الشهادة لم تبن على انطباع أو قرب كان في فترة معينة فقط وهي الأمانة العامة للحوار ، وهي تجربة عملية امتدت لسنوات.
هذا النضال لم يكن مرتبطا بمنصب أو مكسب شخصي بل ظل موجها لخدمة الناس والدفاع عن الدولة، والعمل من أجل مستقبل اليمن سواء في مواقعها الحكومية أو في الأدوار الوطنية التي شهدها الكثير.
واليوم وهي تتولى مسؤولية وزارة الخارجية وشؤون المغتربين فإنها تحمل واحدة من أصعب الحقائب الوزارية في ظرف استثنائي يمر به وطننا وندرك جميعاً أن حجم التحديات كبير وأن الطريق ليس سهلا وسيظل الأداء والإنجاز هما المعيار الحقيقي للحكم على أي مسؤول.
نعم تعيينها وزيرة للخارجية وشؤون المغتربين مسؤولية كبيرة في ظرف بالغ الصعوبة وليس مجاملة ولا مكافأة لكنني أراها من أهم القرارات الوطنية وأنجحها ومن يعرف أفراح الزوبة يعرف أنها تدرك حجم التكليف وأنها لا تتعامل مع المسؤولية بخفة أو استعراض.
اخيراً .. تأخرت في كتابة هذه الشهادة .. لا لأن المناسبة لم تكن تستحق .. ولا لأن الكلمات كانت غائبة .. بل لأنني كنت أؤمن أن بعض الشهادات لا تكتمل إلا بمرور الزمن .. وأن ما يكتب عن تجربة ومعايشة يبقى أصدق من كل ما يُقال في لحظة الاحتفاء… واليوم أجد أن من الوفاء للحقيقة أن أكتب ما رأيته لا ما أريد له أن يقال.
كل التوفيق للدكتورة أفراح الزوبة في مهمتها الجديدة وأسأل الله أن يعينها على حمل هذه المسؤولية وأن يكون حضورها في وزارة الخارجية امتدادا لما عرفناه عنها امرأة دولة وقائدة مسؤولة تضع اليمن قبل نفسها.
رأيك 🫵 يهمنا، ضع رأيك بالخبر أو الموقع بكل وضوح وصراحة!
للتعليق، اضغـ👇ـط زر التعليق المباشر:
اضغط هنا للتعليق المباشر 📥⚠️ تنبيه: انتقد ولكن بأدب وأخلاق دون تجريح.









