قبل الحسم بـ48 ساعة .. استطلاعات الرأي تعمّق الغموض بشأن مستقبل إسرائيل
أخبار عالمية/الدستور الاخبارية

تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين وسط مشهد سياسي بالغ التعقيد، في ظل تقارب نتائج الاستطلاعات وتضارب التوقعات بشأن هوية الكتلة القادرة على تشكيل الحكومة المقبلة، ما يعزز احتمالات استمرار الجمود السياسي والذهاب إلى انتخابات جديدة.
وأظهرت أحدث الاستطلاعات التلفزيونية، التي نشرتها قنوات «كان 11» و«12» و«13»، تقدم حزب «يشار» بقيادة الجنرال السابق غادي أيزنكوت، والكتلة الساعية إلى إزاحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بفارق يتراوح بين مقعدين وستة مقاعد، غير أن هذا التقدم لا يمنح المعارضة أغلبية برلمانية تتيح لها تشكيل حكومة مستقرة.
وتحتاج أي كتلة إلى 61 مقعدا من أصل 120 في الكنيست لتشكيل الحكومة، فيما تشير غالبية التقديرات إلى أن المعسكرين الرئيسيين لا يزالان بعيدين عن حسم هذه الأغلبية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة أو استمرار الأزمة السياسية.
وتكشف الأرقام المنشورة عن تباينات واضحة في تقدير موازين القوى. فقد منح استطلاع القناة 13 كتلة التغيير 54 مقعدا مقابل 50 لكتلة نتنياهو، فيما توقع حصول الأحزاب العربية على 16 مقعدا، وتصدر حزب «يشار» النتائج بـ22 مقعدا، مقابل 19 لحزب الليكود، و14 لحزب «بياحاد» بقيادة نفتالي بينيت، و10 لحزب «الديمقراطيون».
أما استطلاع «كان 11»، فقد أظهر تقاربا أكبر، بمنح المعارضة 52 مقعدا مقابل 50 لحلفاء نتنياهو، في حين وسع استطلاع صحيفة «معاريف» الفارق إلى ستة مقاعد، بواقع 54 مقعدا للمعارضة مقابل 48 لمعسكر رئيس الوزراء.
وفي المقابل، وضع استطلاع «زمان يسرائيل» الكتلتين اليهوديتين الرئيسيتين عند 51 مقعداً لكل منهما، بينما أظهر متوسط الاستطلاعات التلفزيونية الثلاثة تقدم «يشار» بنحو 22 مقعدا، مقابل 20 لليكود و15 لحزب «بياحاد».
وتعكس هذه النتائج تقدما نسبيا للمعارضة، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى قدرة على تشكيل الحكومة، في ظل صعوبة بناء تحالف برلماني يحظى بالأغلبية المطلوبة.
وفي مقابل الاتجاه العام لمعظم الاستطلاعات، تقدم استطلاعات القناة 14 وقناة «i24» صورة أكثر ملاءمة لمعسكر نتنياهو، إذ يمنح متوسطها ائتلافه 61 مقعدا، مقابل 45 لكتلة أيزنكوت.
ويكشف هذا التباين عن اتساع الفجوة بين التقديرات بشأن مستقبل المنافسة، خصوصا مع اختلاف نتائج المؤسسات التي تجري استطلاعات الرأي.
وتثير استطلاعات القناة 14 نقاشاً بشأن مدى توافق نتائجها مع الاتجاه العام، في ظل ارتباط القائمين عليها بمعسكر نتنياهو، فيما تشير تقارير إلى أن شركة «دايركت بولز» كانت من بين الجهات الأكثر دقة في توقع نتائج الانتخابات السابقة، وهو ما يبقي احتمالات المفاجأة قائمة.
ولا تقتصر العوامل المؤثرة في النتائج على الناخبين داخل إسرائيل، إذ تشير معطيات مكتب الإحصاء المركزي إلى وجود نحو 810 آلاف إسرائيلي مؤهلين للتصويت يقيمون في الخارج.
وتقدّر مبادرة «Fly&Vote» أن نحو 67 ألفا منهم سيكونون داخل إسرائيل يوم الاقتراع، وهو عدد قد يترك أثرا في توزيع المقاعد إذا جاءت مشاركتهم وفق التوقعات، غير أن حجم هذه المشاركة واتجاه التصويت لا يزالان غير محسومين.
وفي هذا السياق، لجأ حزب الليكود إلى القضاء ضد المبادرة، وسط ترقب لتأثير أصوات العائدين من الخارج في سباق يبدو شديد التقارب.
وتحظى أصوات الناخبين العرب بأهمية خاصة في الانتخابات المقبلة، مع توقعات بتوجه نسبة كبيرة منها إلى القائمة المشتركة والقائمة الموحدة، وسط تقديرات بإمكانية تجاوز القائمتين نسبة الحسم.
لكن العامل الأهم لا يتعلق فقط بتوزيع الأصوات العربية، بل بمستوى المشاركة في الاقتراع، إذ قد يؤدي ارتفاعها إلى زيادة تمثيل الأحزاب العربية وتعقيد حسابات تشكيل الحكومة لدى المعسكرين.
ورغم أن مشاركة عربية مرتفعة قد تقلص فرص نتنياهو في تشكيل ائتلاف، فإنها قد لا تضمن في المقابل وصول المعارضة إلى الحكم، في ظل رفض أفيغدور ليبرمان خطة أيزنكوت لتشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي من الأحزاب العربية.
وبذلك قد تتحول زيادة المشاركة العربية إلى عامل مؤثر في توزيع المقاعد، من دون أن تكون كافية وحدها لحسم هوية الحكومة المقبلة.
وتبقى أصوات الأحزاب الحريدية من أبرز المتغيرات التي يصعب التنبؤ بنتائجها بدقة، وتشير الاستطلاعات إلى احتمال تراجع حزب «شاس» إلى نحو سبعة مقاعد، بعدما حصل على 11 مقعداً في الانتخابات السابقة، مقابل توقعات بارتفاع تمثيل حزب «يهدوت هتوراه» إلى ثمانية مقاعد.
وتزداد أهمية هذه التقديرات بالنظر إلى معدلات المشاركة المرتفعة تقليدياً في المدن الحريدية، إذ بلغت نسبة التصويت في الانتخابات السابقة 76.5% في بني براك، و81.3% في بيتار عيليت، و82% في موديعين عيليت، مقارنة بنسبة عامة بلغت 70.6%.
كما قد تلعب الأحزاب الصغيرة دوراً حاسماً في تحديد موازين القوى، خصوصا أن عدم تجاوز أحدها نسبة الحسم قد يؤدي إلى ضياع أصوات كان يمكن أن تمنح أحد المعسكرين مقاعد إضافية.
وأظهرت استطلاعات أخيرة صعوبات يواجهها حزب «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر فينتر، إلى جانب تحالف «جنود الاحتياط ـ الاقتصادية»، الذي سجل نسبا تقل عن نسبة الحسم في بعض التقديرات.
وتعيد هذه الاحتمالات إلى الأذهان انتخابات عام 2022، عندما أخفق حزبا ميرتس والتجمع في تجاوز نسبة الحسم، وهو ما ساهم في منح معسكر اليمين والأحزاب الحريدية أغلبية بلغت 64 مقعدا.
ومع تقارب النتائج، تتجه الأنظار إلى معدلات المشاركة، ولا سيما في المدن ذات التوجهات الليبرالية، التي قد تمنح كتلة التغيير فرصة لتعزيز حصتها من المقاعد إذا ارتفعت نسبة الإقبال.
وفي المقابل يكثف نتنياهو جولاته الانتخابية في معاقل حزب الليكود، بينما يخوض أيزنكوت حملة تستهدف الناخبين في المدن الطرفية، في محاولة لاستقطاب أصوات جديدة أو دفع ناخبي الليكود المترددين إلى الامتناع عن التصويت.
كما تبرز أصوات الناخبين الشباب ضمن الحسابات الانتخابية، إذ أظهرت استطلاعات ارتفاع مستوى الدعم لنتنياهو بين هذه الفئة، في حين يرى بعض المحللين أن درجة التدين قد تكون عاملاً أكثر تأثيراً من العمر في تفسير اتجاهات التصويت.
وتعزز هذه المعطيات الاعتقاد بأن نتيجة الانتخابات لن تتحدد فقط بحجم التأييد الذي تحظى به الأحزاب، بل أيضاً بقدرة كل معسكر على حشد أنصاره، وبحجم الأصوات التي قد تضيع بسبب عدم تجاوز بعض القوائم نسبة الحسم.
وفي حال عجز أي معسكر عن تأمين أغلبية برلمانية، ينص النظام السياسي الإسرائيلي على استمرار نتنياهو في رئاسة حكومة انتقالية إلى حين تشكيل حكومة جديدة أو إجراء انتخابات أخرى وفق الإجراءات القانونية.
وفي مواجهة هذا الاحتمال، أظهر استطلاع لصحيفة «معاريف» أن 60% من الإسرائيليين يفضلون تشكيل حكومة وحدة، بينما أشار استطلاع آخر للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، وفق ما نقلته «جويش إنسايدر»، إلى تفضيل الانتخابات الجديدة على بعض البدائل المطروحة لإنهاء الجمود السياسي.
ويعكس هذا التباين صعوبة التوصل إلى صيغة تحظى بقبول واسع، في ظل استمرار الانقسام السياسي وتباعد مواقف الأحزاب بشأن التحالفات الممكنة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبقى الاستطلاعات الأخيرة هي المتاحة قبل بدء حظر نشر استطلاعات جديدة حتى إغلاق الصناديق مساء الثلاثاء.
وتشير مجمل المؤشرات إلى أن إسرائيل تقف أمام انتخابات قد لا تنهي أزمتها السياسية، وأن مصير الحكومة المقبلة سيظل مرتبطا بمعدلات المشاركة، وقدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوز نسبة الحسم، وإمكانية بناء تحالفات تتجاوز الانقسامات القائمة، في سباق لا يبدو أن تقدم أي من طرفيه يكفي وحده لحسمه.










