العميد حمدي شكري الصبيحي: من ميادين القتال إلى مواجهة التحديات الأمنية

مقال رأي/الدستور الإخبارية/خاص:

مقالـ: القاضي أنيس صالح جمعان

 

يُعد العميد حمدي شكري الصبيحي من أبرز القيادات العسكرية السلفية في الجنوب، حيث يقود الفرقة الثانية في قوات العمالقة الجنوبية الموالية للحكومة الشرعية والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. وقد لعبت هذه القوات، التي تضم مقاتلين من قبائل الصبيحة ومحافظات جنوبية أخرى، دوراً محورياً في مواجهة جماعة الحوثيين، وفي تثبيت الأمن بالمناطق المحررة.

 

ولا تكمن أهميته فقط في كونه قائداً ميدانياً فذاً، بل تتجلى أيضاً في قدرته الفريدة على الجمع بين القوة العسكرية المنظمة والجذور القبلية المتجذرة. كما يبرز التزامه المؤسسي تجاه الحكومة الشرعية والتحالف العربي بقيادة السعودية، مما يعكس توازناً نادراً بين القيادة الميدانية والحس السياسي والاجتماعي.

 

النشأة والبيئة: الصبيحة كمدرسة أولى

 

ينتمي العميد حمدي شكري الصبيحي إلى قبائل الصبيحة بمحافظة لحج، وهي المنطقة المعروفة تاريخياً بلقب “بوابة النصر” لصلابة مقاتليها، وهي قبائل ذات حضور تاريخي واجتماعي مؤثر في المشهدين العسكري والسياسي بالجنوب. نشأ في بيئة قبلية محافظة أسهمت في صقل شخصيته القيادية مبكراً، ومنحته قاعدة اجتماعية متينة مكّنته لاحقاً من بناء شبكة واسعة من العلاقات القبلية والعسكرية.

 

القاعدة الاجتماعية

 

مع اندلاع الحرب عام 2015م، برز كأحد القادة الميدانيين الذين نجحواً في تحويل الانتماء القبلي إلى قوة منظمة ومنضبطة داخل قوات العمالقة، تعمل ضمن إطار مؤسسي. ليتدرج بعدها في المسؤوليات حتى أصبح قائداً للفرقة الثانية.

 

حل النزاعات

 

برز كقائد اجتماعي حكيم في إنهاء قضايا ثأر مزمنة بمحافظة لحج، حيث قاد صلحاً تاريخياً شمل قبائل (الخليفة، الكريسة، العميدة، والرجعة)، وأسهم ذلك في تعزيز الاستقرار بمديرية طور الباحة.

 

المسيرة العسكرية والأمنية

 

يتولى قيادة الفرقة الثانية في قوات العمالقة الجنوبية، وهي قوة مدعومة من الحكومة الشرعية والتحالف العربي.

 

لعب دوراً بارزاً في التخطيط والتنفيذ للعمليات العسكرية ضد الحوثيين، لا سيما في عدن، لحج، أبين، وشبوة.

 

شارك في جهود إحباط تهريب الأسلحة والطائرات المسيّرة عبر الساحل الجنوبي، ضمن مساعٍ لتأمين خطوط الملاحة الدولية.

 

لم يقتصر نشاطه على القتال، بل امتد إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية لتعزيز الاستقرار في المناطق المحررة.

 

من تحرير الأرض إلى تأمين البحر

 

منذ اندلاع الحرب عام 2015م، كان العميد حمدي شكري حاضراً في أبرز المنعطفات العسكرية:

 

1. الساحل الغربي :

 

شاركت قواته في السيطرة على باب المندب، المخا، وقاعدة خالد بن الوليد، وصولاً إلى مشارف مدينة الحديدة، بما أسهم في حماية الملاحة الدولية من التهديدات.

 

2. إعصار الجنوب – شبوة (2022) :

 

قاد قواته في معارك بيحان، عسيلان، عين، وعتق، محققاً انتصارات سريعة أعادت التوازن العسكري في الجنوب.

 

3. الحملة الأمنية المشتركة في الصبيحة: حين استعاد الأمن حضوره :

 

حين أُعلنت الحملة الأمنية المشتركة في مناطق الصبيحة، لم تكن مجرد عملية أمنية عابرة، بل لحظة فاصلة شعر بها المواطن قبل أَنْ تسجلها التقارير. قاد العميد حمدي شكري الصبيحي هذه الحملة ميدانياً، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً إنهاء الفوضى وتجفيف منابع التهريب وإعادة الطمأنينة للناس.

 

انتشرت القوات على امتداد السواحل والجبال والطرقات الحيوية، في مشهد أعاد الثقة بقدرة الدولة على الحضور والحسم. نقاط التفتيش لم تكن مجرد حواجز، بل رسائل واضحة بأن زمن المرور الآمن للمهربين قد انتهى. ومع كل يوم من أيام الحملة، كانت شبكات التهريب تتراجع، وتُغلق الممرات التي طالما استُخدمت لإدخال السلاح والطائرات المسيّرة، وتُقطع خطوط الإمداد التي غذّت الفوضى لسنوات.

 

ما ميّز هذه الحملة أنها لم تعتمد على القوة وحدها، بل سارت جنباً إلى جنب مع التواصل المجتمعي. فقد فُتحت قنوات الحوار مع مشايخ القبائل والشخصيات الاجتماعية، ليصبح أبناء المنطقة شركاء في حماية أمنهم، لا مجرد متفرجين على ما يجري. وبهذا، تحولت الصبيحة من ساحة مفتوحة للتهريب إلى نموذج للاستقرار القائم على الشراكة بين الأمن والمجتمع.

 

اليوم، تُذكر الحملة الأمنية في الصبيحة كواحدة من أنجح التجارب الأمنية في الجنوب، ليس لأنها أغلقت طرق التهريب فحسب، بل لأنها أعادت الاعتبار لمفهوم الأمن كخدمة للناس، وحضور دائم يحمي حياتهم اليومية ويصون مستقبل مناطقهم.

 

حضور ميداني وتأثير أمني

 

منذ بروز قوات العمالقة كقوة ضاربة في الجنوب، كان العميد شكري حاضراً في التخطيط والتنفيذ الميداني. وتجلّى ذلك في:

 

– قيادة الحملة الأمنية المشتركة في الصبيحة.

 

– تعزيز انتشار قواته في عدن عام 2026م، في لحظة أمنية حساسة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية، لترتيب الملفين العسكري والأمني وضمان الاستقرار في عدن ولحج وأبين وشبوة.

 

البعد الإنساني والقيادي

 

لم يكن حضور العميد حمدي شكري الصبيحي مقتصراً على ساحات القتال، بل امتد إلى الاهتمام بالجنود وأسرهم، حيث عُرف بمبادراته في دعم أسر الشهداء والجرحى، وحرصه على أن تبقى الروح المعنوية عالية داخل صفوف قواته. هذا الجانب الإنساني عزز من مكانته كقائد قريب من رجاله، يجمع بين الحزم العسكري والرحمة الإنسانية، وهو ما جعله يحظى بولاء واسع وثقة راسخة بين المقاتلين والمجتمع المحلي على حد سواء.

 

محاولات الاستهداف: ضريبة النجاح والثبات

 

لم تخلُ مسيرته من المخاطر؛ فقد تعرّض قبل عام 2026م لمحاولات اغتيال متعددة، شملت استهداف منزله وإطلاق نار من قناص في منطقة الصبيحة بمحافظة لحج.

غير أَنَّ أخطرها وقع في 21 يناير 2026م، عندما استُهدف موكبه في منطقة جعولة شمالي عدن بسيارة مفخخة، أسفرت عن استشهاد خمسة من مرافقيه وإصابة آخرين، بينما نجا هو من الهجوم.

 

الاستهداف كرسالة سياسية وأمنية متعددة الأبعاد

 

لا يمكن قراءة استهداف العميد حمدي شكري الصبيحي خارج سياقه الأوسع، بوصفه رسالة مركّبة تتجاوز شخص القائد إلى الدور الذي يمثله.

 

فالعملية، من حيث التوقيت والمكان وطريقة التنفيذ، تحمل دلالات سياسية وأمنية واضحة، تعكس صراعاً خفياً على إعادة تشكيل المشهد الأمني في الجنوب، ولا سيما في العاصمة المؤقتة عدن.

 

أول هذه الدلالات أَنَّ الاستهداف جاء في مرحلة حساسة تشهد محاولات جادة لإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد القرار تحت مظلة الدولة، وهو ما يجعل القيادات الميدانية ذات الحضور والتأثير – مثل العميد حميد شكري – أهدافاً مباشرة لقوى ترى في الاستقرار تهديداً لمصالحها. فاستهدافه لا يعني إزاحته شخصياً بقدر ما يعني عرقلة مشروع الضبط الأمني وإعادة إنتاج الفوضى.

 

وثانيها أَنَّ طبيعة الهجوم، باستخدام سيارة مفخخة، تشير إلى قدرات تنظيمية ولوجستية عالية، ما يعزز فرضية أن الجهة المنفذة ليست فردية أو عشوائية، بل تقف خلفها شبكات تسعى إلى توجيه رسائل ردع لكل من يقترب من ملفات حساسة، كملف التهريب، وتأمين السواحل، وتفكيك بؤر النفوذ غير النظامية.

 

أما الدلالة الثالثة، فتتمثل في اختيار عدن مسرحاً للعملية، وهي مدينة تمثل قلب الصراع الأمني والسياسي في الجنوب، ومركز القرار الإداري والعسكري. فإيصال رسالة التفجير إلى عدن يعني محاولة ضرب الثقة بقدرة الدولة على حماية قادتها، وزعزعة الإحساس بالأمن في المدينة الأكثر حساسية وتأثيراً.

 

وعليه، فإن استهداف العميد حمدي شكري لا يُقرأ كحدث أمني معزول، بل كجزء من صراع إرادات بين مشروع يسعى إلى تثبيت الأمن وبناء مؤسسة دولة، وآخر يراهن على بقاء الهشاشة والفوضى كمدخل لإدامة النفوذ والهيمنة خارج إطار القانون.

 

ردود الفعل الرسمية والدولية

 

أثار استهداف العميد حمدي شكري موجة تنديد واسعة:

 

محلياً:

توعد مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية بملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة. وشهدت عدن تظاهرات حاشدة لقبائل الصبيحة مطالبة بتثبيت الأمن وإنصاف الضحايا.

 

دولياً:

أدانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والتحالف العربي الهجوم، واعتبروه محاولة يائسة لزعزعة استقرار المناطق المحررة.

 

خلاصة

 

يمثل العميد حمدي شكري الصبيحي نموذجاً للقائد الذي يجمع بين شرعية الميدان وشرعية المؤسسة. فحضوره لا يقتصر على كونه قائداً عسكرياً، بل يتجاوز ذلك ليكون رمزاً لجهود إعادة بناء الدولة ومواجهة الفوضى.

 

إنّ استهدافه يكشف حجم التحديات التي تواجه تثبيت الأمن وإعادة بناء المؤسسات، ويؤكد أَنَّ الصراع في اليمن لم يعد عسكرياً فحسب، بل بات صراعاً على بنية الدولة وأمنها واستقرارها.

 

قاضي أنيس صالح جمعان

القاضي انيس جمعان

2 فبراير 2026م

https://www.facebook.com/share/p/18E2TEr37Y/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى