ما الذي يحدث في جيش التحرير الشعبي الصيني؟
أخبار عالمية/الدستور الاخبارية

جاء التحقيق مع أحد كبار جنرالات الصين، ليكون أحدث فصول حملة التطهير التي ينفذها الرئيس شي جين بينغ في جيش التحرير الشعبي، وذلك وفقاً للمحللة الهندية أنوشكا ساكسينا، محللة الأبحاث في برنامج دراسات المحيطين الهندي والهادئ بمعهد تاكشاشيلا.
وقالت ساكسينا، في تحليل نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأمريكية، إنه في 20 يناير (كانون الثاني) الجاري، وخلال جلسة دراسة رفيعة المستوى لكبار المسؤولين في الأقاليم والوزارات الصينية، كان هناك مقعد فارغ بشكل لافت للانتباه.
وأشارت تقارير رسمية إلى حضور نائبي رئيس اللجنة العسكرية المركزية، إلا أن لقطات مصورة كشفت عن قصة مختلفة. فقد غاب عن الجلسة الجنرال تشانغ يوشيا، الرجل الثاني في قيادة جيش التحرير الشعبي الصيني.
وقالت ساكسينا، التي تركز أبحاثها على جيش التحرير الشعبي الصيني وإصلاحاته والعلاقات الصينية التايوانية والسياسة الخارجية الهندية، إنه “بعد 4 أيام اتضحت الأمور، حيث أكدت وزارة الدفاع الوطني الصينية أن تشانغ، إلى جانب عضو اللجنة العسكرية المركزية ورئيس هيئة الأركان المشتركة ليو تشنلي، يخضعان للتحقيق بتهمة ارتكاب انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون”.
ورغم أن بكين ليست غريبة عن الفساد العسكري أو عدم الانضباط السياسي، تحمل قضية تشانغ في طياتها خطورة أكبر من المعتاد. وأوضحت ساكسينا أنه منذ عام 2023، يشهد جيش التحرير الشعبي الصيني حالة من التوتر الدائم. وما بدأ في يوليو (تموز) 2023، عندما دعت إدارة تطوير المعدات التابعة للجنة العسكرية المركزية المبلغين عن المخالفات إلى الإبلاغ عن أي ممارسات فساد في المشتريات تعود إلى عام 2017، أسفر أولاً عن استهداف مسؤولين يمكن استبدالهم بسهولة نسبياً، وهما وزير الدفاع لي شانغ فو، وقائد قوات الصواريخ بجيش التحرير الشعبي لي يوتشاو.
ولكن الأزمة تفاقمت سريعاً، وفي أواخر عام 2025، اجتاحت حملة التطهير ما يسمى بـ”عصابة فوجيان”. وتضم هذه العصابة مسؤولين مثل نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية هي ويدونغ والأدميرال مياو هوا، اللذين تدرجا في الرتب في جيش المجموعة الـ31 السابق (وهو عبارة عن تشكيل عسكري بارز)، في فوجيان والبحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي.
وبدا أن تشانغ يوشيا، وهو أحد قدامى المحاربين في القوات البرية وله جذور عميقة في “عصابة شنشي” المنافسة، هو المنتصر في هذا الصراع الداخلي. ومن المرجح أنه قام بتسهيل الإطاحة بعصابة فوجيان، ربما لأنه اعتبر أن هيمنتهم على كل من ميزانية الدفاع والاستراتيجية العسكرية تشكل تهديداً لطموحاته الشخصية وجيشه الذي يحبه.
وبدا من الطبيعي أن يكون تشانغ، إلى جانب تشانغ شنغ مين، مسؤول الانضباط آنذاك، بمثابة أداة تحقق أهداف الرئيس الصيني شي جين بينغ. وتساءلت ساكسينا عن سبب الانقلاب على تشانغ الآن، معتبرة أنه من المرجح أن تكون الأسباب معقدة للغاية، وربما لا يعرف أحد بشكل كامل ما الذي حدث فعلا خلف الكواليس.
ومع ذلك، يمكن التفكير في بعض الافتراضات. أولاً، ترأس تشانغ إدارة تطوير المعدات التابعة للجنة العسكرية المركزية قبل لي شانغ فو. فإذا كان لي متورطاً في فساد واسع النطاق، فإن تشانغ إما كان متواطئاً معه أو تعمد تجاهل الأمر.
وثانياً، إن ترقية مساعد مقرب مثل لي إلى منصب وزير الدفاع، ليتضح لاحقاً أنه عبء بسبب فساده خلال فترة رئاسته لإدارة تطوير المعدات، تعد خطأ فادحاً في التقدير من جيش يطمح لأن يصبح قوة من المقاتلين “من الطراز العالمي”.
وترى ساكسينا أن هذه المشكلة ترتبط بها مسألة التباين التكتيكي. ومع تحول جيش التحرير الشعبي الصيني بشكل كبير نحو تعزيز قدراته البحرية والصاروخية استعداداً لسيناريو تايوان، فإن خلفية تشانغ في القوات البرية، أو تجربته في حرب فيتنام المروعة، كان من الممكن أن تضعه في خلاف مع أهداف شي جين بينغ للتحديث. وربما يكون السبب الأكثر أهمية هو الجانب الشخصي- فالجانب الشخصي هو جانب سياسي، حيث تربط تشانغ وشي علاقة صداقة تعود إلى زمن كان فيه والدهما من الثوار معاً.
ولكن في ظل المناخ السياسي الحالي في الصين، فإن محاولة تشانغ تحدي شي، سواء بتفكيك فصيل من كبار المسؤولين المعنيين بتايوان، أو بتعزيز نفوذه السياسي والتستر على الفساد، لم تكن لتبشر بخير بالنسبة لـ”رئيس كل شيء (شي)”.
وقالت ساكسينا إنه نادراً ما كان شي جين بينغ يبدي استجابة إيجابية تجاه مراكز القوة البديلة. كما أن عدم خضوع تشانغ المحتمل يتضح أيضاً في لائحة الاتهام التي نشرتها صحيفة الشعب اليومية، والتي تتهم تشانغ بـ”العبث بنظام مسؤولية” رئيس اللجنة العسكرية المركزية، والقيادة المطلقة للحزب على الجيش.
وتعد عواقب هذه الإطاحة عواقب وخيمة. فقد أصبحت اللجنة العسكرية المركزية الآن في أضعف حالاتها على الإطلاق. ومع الإقالة الوشيكة لتشانغ وليو تشنلي، والإقالة المعلنة لهي ويدونغ ومياو هوا، أصبح المجلس العسكري الأعلى فارغاً بشكل فعلي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن عمليات التطهير تتسبب في حدوث فراغ في الخبرة. فمن بين 81 جنرالاً قام شي جين بينغ بترقيتهم في جيش التحرير الشعبي منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، تم تطهير 14 على الأقل، واختفى 23 منهم فعلياً. وهذا يؤدي إلى مشكلة تتمثل في اختفاء الضباط الذين يتولون القيادة فعلياً عن الأنظار، أو إصابتهم بالشلل بسبب الخوف من أن يتم استهدافهم لاحقاً. و
ومع اقتراب بكين من عقد “الدورتين” (السنويتين للهيئة التشريعية الوطنية والهيئة الاستشارية السياسية الوطنية) في مارس (آذار) المقبل، من المرجح أن تكون هناك تعيينات جديدة، وسيعاد بناء البيت من خلال مجموعة من الموالين الذين اختارهم شي بنفسه وقام بترقيتهم. لكن الأسماء الجديدة لا يمكنها إخفاء حقيقة أن هدف جيش التحرير الشعبي في أن يصبح جيشاً من الطراز العالمي في الأعوام القليلة المقبلة، سيواجه عقبات على المدى القصير.







