ثغرات أمنية في PHP تدفع هولندا وفنلندا وفرنسا إلى تعطيل مواقع إلكترونية
تكنولوجيا واختراعات/الدستور الاخبارية

شهدت عدة دول أوروبية ومؤسسات دولية، مساء الأربعاء، اضطرابات وإيقافا مؤقتا لعدد من المواقع والخدمات الإلكترونية، عقب الكشف عن ثغرات أمنية خطيرة في لغة البرمجة «PHP»، المستخدمة على نطاق واسع في تشغيل المواقع الإلكترونية، وسط تحذيرات من استغلال هذه الثغرات في هجمات سيبرانية قد تطال أعدادا كبيرة من الخوادم والأنظمة المتصلة بالإنترنت.
وأصدر مطورو PHP تحديثات أمنية عاجلة لمعالجة الثغرات التي ظلت مخفية في الشيفرة البرمجية لسنوات طويلة، قبل اكتشافها بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، فيما دعوا المستخدمين إلى تثبيت الإصلاحات الجديدة فورا، بالتزامن مع تحذيرات شركات متخصصة في الأمن السيبراني من رصد محاولات لاستغلال نقاط الضعف المكتشفة.
وقال كوستين رايو، الشريك المؤسس لشركة «TLP:Black» المتخصصة في أبحاث الأمن السيبراني والاستجابة للحوادث، إن الذكاء الاصطناعي يسهم في تسريع ما وصفه بـ«سباق الاستغلال»، محذراً من احتمال تعرض خوادم غير محدثة لموجة واسعة من الاختراقات خلال الفترة المقبلة.
وتكتسب الثغرات المكتشفة خطورتها من الانتشار الواسع للغة PHP، التي تُستخدم في تشغيل عدد كبير من المواقع الإلكترونية وأنظمة إدارة المحتوى، من بينها «ووردبريس» و«دروبال» و«جوملا» و«ماجنتو»، ما يجعل الأنظمة التي تعمل بإصدارات غير آمنة عرضة لمخاطر الاختراق أو تعطّل الخدمات.
وقالت تيفاني فارس، الرئيسة التنفيذية المؤقتة لجمعية «دروبال»، إن الخوادم التي تستخدم إصدارات من PHP صدرت خلال العقدين الماضيين قد تكون معرضة للخطر، في مؤشر على اتساع نطاق المشكلة وتأثيرها المحتمل في البنية التحتية الرقمية.
وبحسب بيانات شركة «Censys» المتخصصة في استخبارات الإنترنت، فإن نحو 1.5 مليون خادم من أصل 2.6 مليون خادم ترصدها بياناتها كانت تعمل بإصدارات من PHP لا يتوافر لها إصلاح أمني، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الجهات المسؤولة عن تأمين الأنظمة المتأثرة.
ودعت جهات معنية بالأمن السيبراني المؤسسات والمستخدمين إلى تثبيت التحديثات الأمنية دون تأخير، أو تعطيل المواقع مؤقتاً عند الضرورة إلى حين استكمال الإصلاحات والتحقق من سلامة الأنظمة.
وامتدت تداعيات الثغرات إلى مواقع حكومية وخدمية في عدد من الدول الأوروبية، إذ أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني في هولندا تعطيل خدماته الإلكترونية مؤقتاً، ضمن إجراءات احترازية لحماية أنظمته.
وشملت الإجراءات مواقع ميناء روتردام والبوابة الحكومية «Overheid.nl» والاتحاد الهولندي لكرة القدم، إلى جانب مواقع أكبر خمسة أحزاب سياسية في البلاد وعدد من المواقع التابعة للمستشفيات.
كما أعلنت مؤسسة «ويكيبيديا» إيقاف عدد غير محدد من الأنظمة إلى حين التأكد من إمكانية تحديثها بأمان، فيما أفادت مؤسسة «Internet Archive» بتعليق بعض خدماتها لفترة وجيزة للتعامل مع المشكلة الأمنية.
وفي الدنمارك، أوقفت شركة «Kombit» المتخصصة في خدمات تقنية المعلومات للبلديات عدداً من الخدمات، من بينها المنصة الوطنية للتواصل المدرسي، بينما أعلنت شركة «Valtori» الحكومية في فنلندا إيقاف خدمات الشبكة العامة الحكومية احترازيا.
وفي فرنسا، وضعت وزارة الداخلية جميع مواقعها الإلكترونية في حالة صيانة وقائية، في خطوة تهدف إلى الحد من مخاطر استغلال الثغرات وحماية الأنظمة الحكومية.
وامتدت التحذيرات إلى خارج أوروبا، إذ دعا رئيس الوزراء الهولندي إلى متابعة التطورات، فيما حثت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، عبر منصة «إكس»، مالكي المواقع الإلكترونية على التحقق من استخدام PHP والاستعداد لتطبيق الإصلاحات الأمنية اللازمة.
وأفادت شركتا الأمن السيبراني «Calif» و«Wiz» بأن أدوات الذكاء الاصطناعي ساعدت في اكتشاف الثغرات، في تطور يعكس الدور المتزايد لهذه التقنيات في تحليل الشيفرات البرمجية وتحديد نقاط الضعف التي قد يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.
وذكرت شركة «Calif» في تدوينة أنها اكتشفت الثغرات في الأول من أغسطس بمساعدة نموذج لغوي كبير، وبدأت منذ ذلك الحين العمل على معالجتها.
من جانبها، أوضحت شركة «Wiz»، التابعة لمجموعة «ألفابت»، أنها استخدمت أداة «Wiz Atlas» المخصصة لأبحاث الثغرات الأمنية المستقلة، إلى جانب نماذج للذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن بعض نقاط الضعف ظلت مخفية في شيفرة PHP لأكثر من عقد من الزمن.
وأضافت الشركتان أنهما نسّقتا جهودهما مع فريق تطوير PHP وشركة «OpenAI» بشأن اكتشاف الثغرات والتعامل معها، فيما قال البيت الأبيض إنه أُبلغ بالمشكلة يوم الجمعة، وفق بيان صادر عنه.
ويرى مختصون أن هذه التطورات تبرز جانباً مزدوجاً للذكاء الاصطناعي في مجال الأمن السيبراني؛ إذ يمكن أن يساعد في اكتشاف العيوب البرمجية وإصلاحها، لكنه قد يتيح للمهاجمين أيضاً تحليل الثغرات وتطوير أساليب استغلالها بوتيرة أسرع.
وفي مؤشر على احتمال بدء محاولات الاستغلال قبل الإعلان العلني عن الثغرات، قال سي جيه موزيس، رئيس الأمن في شركة «أمازون»، إن فريق الشركة رصد محاولة لاستهداف أحد أنظمة الطُعم الأمنية التابعة لها في 17 أكتوبر، قبل أربعة أيام من الإعلان العام عن المشكلة.
وأوضح موزيس أن المحاولة صدرت عن عنوان مجهول على الإنترنت، مشيراً إلى رصد محاولات أخرى من جهات متعددة يوم الأربعاء، دون التمكن من تحديد ما إذا كانت جميعها قادرة على النجاح ضد مواقع حقيقية.
وتشير المعطيات التي أوردتها الشركة إلى أن الثغرات باتت تُستغل في هجمات فعلية عبر الإنترنت، الأمر الذي يعزز المخاوف من اتساع نطاق الاستهداف، خصوصاً في ظل الانتشار الكبير للغة PHP واستمرار تشغيل خوادم بإصدارات قديمة.
وبحسب بيانات شركة «W3Techs» المتخصصة في تتبع تقنيات الويب، تُستخدم PHP في نحو 75% من المواقع التي يمكن تحديد لغة البرمجة المستخدمة فيها، ما يفسر القلق من التداعيات المحتملة إذا لم تُحدّث الأنظمة المتأثرة في الوقت المناسب.
وقال لوكاش أوليجنيك، الباحث الزائر البارز في كلية كينغز لندن، إن حجم الأنظمة المتأثرة كبير، وإن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تسريع عمليات استغلال الثغرات.
في المقابل، أعلنت شركة «Automattic»، المشغلة لخدمة «WordPress.com»، أن مستخدمي حلول الاستضافة التي توفرها الشركة وخدمة «Tumblr» غير معرضين للثغرة المعنية، وفقاً لبيانها.
وتتركز المخاطر بدرجة أكبر على المواقع الصغيرة التي يديرها أفراد أو مؤسسات محدودة الموارد التقنية، ولا سيما المواقع المستضافة على خوادم مشتركة، حيث قد لا يمتلك أصحاب المواقع صلاحية تحديث البنية التحتية الأساسية بأنفسهم.
وتؤكد هذه التطورات أهمية التحرك العاجل لتحديث البرمجيات المتأثرة، وفحص الخوادم والتحقق من سلامتها، باعتبارها خطوات أساسية للحد من مخاطر الاختراق وتعطل الخدمات الرقمية، في وقت يفرض فيه تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي تحديات متزايدة على منظومة الأمن السيبراني العالمية.










