من الألعاب إلى السلطة .. كيف حاول إيلون ماسك “برمجة” أمريكا؟

متابعات خاصة/الدستور الاخبارية

 

قاد الملياردير الأمريكي إيلون ماسك توجهاً غير تقليدي لإعادة تعريف الدولة باعتبارها نظاماً رقمياً قابلاً للبرمجة، في تجربة مزجت بين التكنولوجيا ومنطق الألعاب وإدارة الحكم، عبر مشروع “وزارة الكفاءة الحكومية” (Doge) الذي أطلقه في 2025، ساعياً إلى نقل آليات إدارة الشركات والمنصات الرقمية إلى قلب المؤسسات الحكومية بهدف رفع الكفاءة وتقليص الهدر.

وجاءت هذه التجربة بعدما انضم ماسك إلى دوائر صنع القرار في واشنطن، معلناً أن الحكومات ليست سوى “آلات ضخمة سيئة التكوين”، وأن إصلاحها يبدأ من “التحكم في الحواسيب” وقواعد البيانات.

ومن هذا المنطلق، قاد فريقاً من المبرمجين والمديرين لإعادة بناء البنية الرقمية للدولة، عبر رقمنة الأرشيف الحكومي ودمج البيانات في نظام موحد، بهدف القضاء على الهدر والفساد.

من “الميمز” إلى الحكم

لم تكن “Doge” مجرد مشروع إداري، بل حملت طابعاً غير تقليدي مستوحى من ثقافة الإنترنت، حيث استمدت اسمها من عملة رقمية ساخرة، وتبنّى ماسك لقب “Dogefather”، مستخدماً شعارات ورسوم كرتونية.

لكن خلف هذا الطابع الهزلي، برزت قناعة عميقة بأن الدولة يمكن التعامل معها كمنصة تقنية، تُنقّح من “الأخطاء” عبر حذف البيانات غير المرغوب فيها.

واعتمد المشروع على فكرة أن الخلل في الأنظمة الحكومية لا يكمن فقط في الإجراءات، بل في البيانات نفسها، بما يشمل موظفين وهميين أو سجلات غير دقيقة، بل وحتى فئات سكانية اعتبرها ماسك “ثغرات” يجب معالجتها، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول البعد الإنساني لهذه الرؤية.

عقلية الألعاب تدخل الإدارة

استلهم إيلون ماسك مقاربته من عالم ألعاب الفيديو، خاصة مفهوم “Speedrunning” الذي يقوم على إنهاء المهام بأقصى سرعة ممكنة، حتى لو تطلب الأمر استغلال الثغرات. وقد انعكس ذلك في أسلوبه الإداري، حيث سعى إلى تنفيذ تغييرات جذرية خلال وقت قياسي، مثل الوصول السريع إلى قواعد بيانات حكومية حساسة، وإعادة هيكلة مؤسسات كاملة.

كما شبّه المشروع بفكرة “إعادة برمجة المصفوفة”، مستلهماً فيلم The Matrix، معتبراً أن النجاح يتطلب تغيير قواعد اللعبة نفسها، وليس مجرد العمل داخلها.

الذكاء الاصطناعي في قلب القرار

ركزت “Doge” على دمج البيانات الحكومية في منصة واحدة، ما سمح بإدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار، وشمل ذلك تحليل الميزانيات باستخدام نماذج لغوية، وتطبيق ما يُعرف بـ”الميزانية الصفرية”، التي تُجبر الجهات الحكومية على تبرير كل بند إنفاق من الصفر.

كما تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراجعة العقود الحكومية، واكتشاف ما اعتُبر “هدراً”، بل وحتى تحليل تعليقات المواطنين على السياسات، في خطوة هدفت إلى تسريع عملية إلغاء اللوائح التنظيمية.

غير أن هذه المقاربة أثارت مخاوف بشأن تقليص دور البشر في اتخاذ القرار، وتحويل العمليات الديمقراطية إلى إجراءات آلية، إضافة إلى مخاطر الأخطاء التقنية، بعد تسجيل حالات “هلوسة” في بعض الأنظمة.

أيضاً أحد أبرز ملامح المشروع كان السعي إلى إنشاء قاعدة بيانات مركزية شاملة، تضم معلومات المواطنين من مختلف الجهات الحكومية، بالتعاون مع شركات مثل Palantir Technologies، ما أثار جدلاً حول الخصوصية واحتمالات توسيع قدرات المراقبة.

ورأى منتقدون أن إزالة الحواجز بين قواعد البيانات، رغم ما تحققه من كفاءة، قد تُضعف الضوابط القانونية التي تحمي الأفراد من إساءة استخدام المعلومات.

هل يمكن “برمجة” الدول؟

رغم إعلان مشروع “Doge” تحقيق خفض كبير في الإنفاق الحكومي، أظهرت مراجعات لاحقة أن الأرقام الفعلية كانت أقل بكثير من المعلن، فيما تآكلت هذه التخفيضات سريعاً بفعل سياسات مالية موازية.

وفي الوقت ذاته، واجه المشروع انتقادات واسعة بسبب انعكاساته على الخدمات الاجتماعية، لا سيما مع تقليص الإنفاق في قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين.

وعلى الرغم من أن تجربة إيلون ماسك داخل الحكومة الأمريكية لم تتجاوز نحو 130 يوماً، فإنها خلّفت أثراً عميقاً تمثل في ما يشبه “صندوق أدوات” جديد للسلطة؛ إذ تعزّزت قدرات الدولة في مجال المراقبة، وتعمّق حضور شركات التكنولوجيا داخل البنية التشغيلية للحكومة.

لكن في المقابل، كشفت التجربة حدود هذه الرؤية؛ فالتعامل مع الدول باعتبارها “كوداً برمجياً” يصطدم بتعقيدات الواقع الإنساني، حيث لا يمكن اختزال المجتمعات في بيانات قابلة للحذف أو التعديل؛ فالدول، بخلاف الشركات، تتحمل مسؤولية رعاية فئات لا يمكن إخضاعها ببساطة لمنطق الكفاءة أو إعادة الهيكلة وفق معايير الربح والخسارة.

ورغم هذه التحديات، ترك مشروع “Doge” بصمة مستمرة، خصوصاً في تسريع دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية، وفتح المجال أمام نماذج إدارية جديدة تقوم على تحليل البيانات واتخاذ القرار المؤتمت.

واليوم، في عام 2026، يبدو أن الحدود بين القوة الرقمية والسلطة السياسية باتت أكثر تداخلاً من أي وقت مضى، فمع تصاعد دور الذكاء الاصطناعي في الحروب والقرارات المصيرية، يبرز واقع جديد يقترب من تصور “الحياة كمحاكاة”، حيث لم يعد القرار حكراً على البشر، بل أصبح للكود البرمجي دور متزايد في توجيه مساراته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى