من واشنطن إلى تل أبيب .. انتخابات مصيرية تعيد تشكيل خريطة السياسة الدولية
أخبار وتقارير/متابعات خاصة/الدستور الاخبارية

بينما تقترب فرنسا من موعد الانتخابات البلدية في مارس (آذار) المقبل، في ظلّ برلمان مُنقسم وفقدان حزب الرئيس إيمانويل ماكرون أغلبيته، تتصاعد التحذيرات من تحوّل هذا الاستحقاق المحلي إلى ساحة نفوذ موازية، قد تستفيد منها بعض الشبكات المُرتبطة بتنظيم الإخوان الإرهابي، مُستندة إلى تقاطعات سياسية مع أطراف في اليسار الراديكالي.
وفي موازاة هذا المشهد الداخلي المتوتر، تُشير قراءة المشهد الانتخابي العالمي لعام 2026، إلى أنّ بعض الاستحقاقات ستتجاوز طابعها المحلي لتُؤثّر مباشرة في التوازنات الدولية، بما في ذلك مع فرنسا وأوروبا. ويبرز من بينها بشكل خاص الانتخابات الأمريكية النصفية والانتخابات التشريعية الإسرائيلية.
اختبار سياسي حاسم لترامب
وفي 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يخوض الأمريكيون انتخابات التجديد النصفي، حيث يتم انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب (435 مقعداً)، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (35 مقعداً). هذا الاستحقاق يُعدّ مفصلياً بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، إذ تُشير التجربة السياسية إلى أنّ انتخابات منتصف الولاية غالباً ما تُضعف موقع الرئيس.
ويتمثّل الرهان الأساسي في قُدرة الجمهوريين على الحفاظ على أغلبيتهم الهشّة في الكونغرس، إذ أنّ خسارتها قد تعني عملياً شللاً تشريعياً يحدّ من قدرة البيت الأبيض على تمرير سياساته الاقتصادية والخارجية، في وقت يُواجه فيه ترامب تراجعاً في نسب الرضا الشعبي، حيث أفاد استطلاع رأي أجرته جامعة شيكاغو أنّ 31% فقط من الأمريكيين راضون عن سياساته الاقتصادية.
ومن هذا المُنطلق، كثّف الرئيس الأمريكي تحرّكاته في الولايات المُتأرجحة، مُدافعاً عن سجله الاقتصادي، لكنّه أقرّ في تصريحات علنية بصعوبة المعركة الانتخابية “لقد أسستُ أقوى اقتصاد في التاريخ. ولكن إحصائياً، من الصعب جداً الفوز”.
ويعكس هذا الخطاب إدراكاً مُبكّراً، بأنّ النتائج قد تتحوّل إلى استفتاء غير مباشر على سياساته الداخلية وتوجّهاته الدولية، بما في ذلك موقفه من الحلفاء الأوروبيين ومن ملفات الشرق الأوسط.
نتانياهو بين رصيد الحرب واستنزاف الداخل
وفي إسرائيل، تبدو انتخابات خريف 2026، لحظة فاصلة في المسار السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، الذي أعلن عزمه الترشح لولاية جديدة، في محاولة لترسيخ موقعه كأكثر رؤساء الحكومات بقاءً في السلطة في تاريخ الدولة العبرية. ويحمل زعيم حزب الليكود، الرقم القياسي لأطول فترة ولاية كرئيس للوزراء، بأكثر من 18 عاماً منذ 1996 (مع بعض الانقطاعات).
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي أدريان بيز، يُعوّل نتانياهو على رصيد أمني وسياسي يتمثّل في ملف وقف إطلاق النار في غزة، ومسألة الرهائن، وحروبه ضدّ إيران وميليشيا حزب الله، إضافة إلى العلاقة الوثيقة مع الإدارة الأمريكية، حيث حظي رئيس الولايات المتحدة بتصفيق لافت داخل الكنيست. غير أنّ هذا الرصيد يُقابله استياء داخلي واسع، تُغذّيه الانتقادات الموجهة لإدارة الحرب، فضلاً عن تداعيات الإصلاح القضائي الذي فجّر واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في تاريخ إسرائيل.
وتُشير الاستطلاعات إلى سباق مُتقارب، ما يجعل نتائج الانتخابات مفتوحة على سيناريوهات متعددة، من استمرار الائتلاف اليميني– الديني، إلى عودة الانقسام السياسي الحاد الذي طبع السنوات الأخيرة. وفي كل الحالات، ستحدد هذه الانتخابات ليس فقط مستقبل نتانياهو الشخصي، بل أيضاً اتجاه السياسة الإسرائيلية في ملفات الأمن والقضاء والعلاقة مع واشنطن وبروكسل.
تقاطع المسارين الأمريكي والإسرائيلي
وما يمنح هذين الاستحقاقين أهمية استثنائية، بحسب محللين فرنسيين، هو تداخلهما السياسي، فنتائج الانتخابات الأمريكية ستؤثر مباشرة في هامش حركة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، سواء من حيث الدعم العسكري أو الغطاء الدبلوماسي. وفي المقابل، يُشكّل الملف الإسرائيلي عاملاً حاضراً في النقاش السياسي الأمريكي، لا سيّما في ظلّ الاستقطاب الحاد داخل الكونغرس والرأي العام.
وبين واشنطن وتل أبيب، لا تبدو انتخابات 2026 مُجرّد محطات ديمقراطية دورية، بل لحظات اختبار حقيقية لقيادات تُواجه إرثاً ثقيلاً من الأزمات. وفي عالم يشهد تصاعد النزاعات وتراجع التوافقات، قد ترسم نتائج هذين الاستحقاقين ملامح مرحلة جديدة في السياسة العالمية، تتجاوز حدودهما الوطنية بكثير.
استحقاقات أخرى
وإلى جانب هذين المسارين المركزيين، يشهد عام 2026 انتخابات مهمة في دول أخرى، تختلف درجة تأثيرها على النظام الدولي. وبحسب صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، فإنّ انتخابات مجلس الدوما في روسيا تبدو محسومة لصالح الحزب الحاكم، بما يؤكد استمرارية النهج السياسي للرئيس فلاديمير بوتين، بدون أيّ مؤشرات تغيير في مسار الحرب مع أوكرانيا، والعلاقة مع فرنسا وأوروبا.
وفي البرازيل، تُشكّل الانتخابات الرئاسية والتشريعية اختباراً لمُستقبل سياسات البيئة والتكامل التجاري، مع سعي الرئيس لولا دا سيلفا إلى ولاية جديدة، في مواجهة يمين يُعاني من إرث مرحلة بولسونارو. أمّا في المجر، فيواجه رئيس الوزراء فيكتور أوربان تحدّياً انتخابياً غير مسبوق منذ 2010، ما قد ينعكس جذرياً على علاقة بودابست بالاتحاد الأوروبي، وعلى مواقفها من الحرب في أوكرانيا.
كما تشهد السويد، والدنمارك، والبرتغال، ولاتفيا انتخابات قد تُعيد خلط الأوراق داخلياً، لكنّها تظل أقلّ تأثيراً على التوازنات العالمية. وفي المُقابل، تعكس انتخابات سوف تُنظّم في بيرو، وكوستاريكا، وبلغاريا، وسلوفينيا، والبوسنة، حالة سيولة سياسية، من دون أن تُشكل في حدّ ذاتها نقاط تحوّل دولية كبرى.









