أزمة الغاز مستمرة رغم عودة صافر .. أين تختنق الإمدادات؟

أخبار وتقارير/الدستور الاخبارية

 

رغم الإعلان الرسمي عن استئناف إنتاج الغاز في أحد معامل شركة صافر بمحافظة مأرب، والاستعداد لإعادة تشغيل المعمل الثاني، لا تزال أزمة الغاز المنزلي تلقي بظلالها على عدد من المحافظات اليمنية، وسط استمرار الطوابير أمام محطات التعبئة وتصاعد شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على احتياجاتهم اليومية.

وفي محافظة تعز، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا، مع توافد أعداد كبيرة من المواطنين وملاك المركبات إلى المحطات العاملة، ومن بينها محطة الجبل في منطقة وادي القاضي، التي أصبحت من أبرز نقاط الحصول على الغاز حاليًا، ما أدى إلى ازدحام شديد وطوابير انتظار طويلة.

ولا يختلف المشهد كثيرًا في عدن ولحج ومحافظات أخرى خاضعة للحكومة، حيث لا تزال الأسر تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها من الغاز، رغم التصريحات الرسمية التي تحدثت عن قرب عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.

عودة الإنتاج .. لكن الأزمة مستمرة

كانت قيادة شركة الغاز وغرفة العمليات المشتركة في مأرب قد أعلنت، الأحد الماضي، الانتهاء من أعمال صيانة معمل الإنتاج الأول CPU-1 في شركة صافر، بعد توقف استمر نحو 20 يومًا.

كما أعلنت قرب استكمال إصلاح خلل فني طارئ في المعمل الثاني CPU-2، مؤكدة أن إعادة تشغيله ستتيح استئناف ضخ وتوزيع الغاز بكامل الطاقة إلى المحافظات الواقعة ضمن نطاق الحكومة.

وكانت التقديرات الرسمية تشير إلى أن تحسن الإنتاج وانتظام الشحنات من شأنهما المساهمة في تخفيف الأزمة تدريجيًا خلال فترة تتراوح بين خمسة أيام وأسبوع.

لكن استمرار الطوابير رغم مرور هذه المدة يفتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيدًا: هل كانت أزمة الغاز مرتبطة بالإنتاج وحده؟

المعطيات على الأرض تشير إلى أن المشكلة تتجاوز توقف معامل الإنتاج، لتطال مختلف حلقات سلسلة الإمداد، بدءًا من الإنتاج والنقل، وصولًا إلى التوزيع ووصول الأسطوانة إلى المستهلك.

القطاعات القبلية تعرقل وصول الشحنات

ومن أبرز العوامل التي زادت من تعقيد الأزمة خلال الأيام الماضية، بروز ملف القطاعات القبلية التي تعرقل حركة مقطورات الغاز المتجهة إلى المحافظات.

وكان قبليون من آل مهتم قد أعلنوا منع تحريك مقطورات الغاز باتجاه المحافظات المحررة اعتبارًا من الأحد 23 أغسطس، مع تحذير سائقي ومالكي المقطورات من نقل الشحنات إلى محطات المحافظات الجنوبية.

وسبق أن حذرت وزارة النفط والمعادن من تداعيات هذه القطاعات على إمدادات الغاز، مشيرة إلى تسجيل 25 قطاعًا خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس 2026، تسببت في تعطيل حركة الإمدادات لمدة إجمالية بلغت 126 يومًا.

وتكشف هذه الأرقام أن استئناف الإنتاج في صافر لا يعني بالضرورة وصول الغاز إلى الأسواق، إذا ظلت الشحنات تواجه عراقيل خلال رحلتها من مناطق الإنتاج إلى محطات التوزيع.

ارتفاع الطلب يضغط على الكميات المتاحة
إلى جانب مشكلات النقل، يبرز ارتفاع الطلب باعتباره عاملًا إضافيًا في تفاقم الأزمة.

وأشارت وزارة النفط إلى التوسع العشوائي في تحويل المركبات للعمل بالغاز بدلًا من البنزين، معتبرة أن هذا التوسع أدى إلى زيادة معدلات الاستهلاك وسحب كميات كان يفترض أن تذهب إلى الاستخدام المنزلي.

وبذلك لم يعد الغاز مخصصًا بصورة أساسية للاستخدام المنزلي، بل بات مطلوبًا من قطاعات متعددة، في وقت لا تزال فيه الكميات المتاحة عرضة للتذبذب.

التهريب .. حلقة أخرى في سلسلة الأزمة

ولا تتوقف الاختناقات عند الإنتاج والنقل والطلب، إذ تبرز كذلك اتهامات بوجود عمليات تهريب للغاز باتجاه دول القرن الأفريقي، الأمر الذي يضيف ضغطًا جديدًا على السوق المحلية.

وفي إطار تعزيز الرقابة، ألزمت الشركة اليمنية للغاز مالكي مقطورات نقل الغاز البترولي المسال بتركيب أجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية GPS للمقطورات العاملة والمرخصة، بهدف مراقبة حركة الشحنات منذ خروجها وحتى وصولها إلى وجهتها.

غير أن نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الجهات المختصة على متابعة حركة المقطورات، وضبط المخالفات، ومنع تسرب الكميات بعيدًا عن مسار التوزيع الرسمي.

المشكلة ليست في الإنتاج وحده .. بل في التوزيع أيضًا

في ظل هذه المعطيات، تبدو أزمة الغاز مرتبطة كذلك بآلية توزيع الكميات المتوفرة.

ولهذا أعلنت وزارة النفط والمعادن إعادة هيكلة آلية التوزيع، ورفع حصة الغاز المنزلي بما يتناسب مع الكثافة السكانية، مع توجيه الشركة اليمنية للغاز بإعطاء الأولوية لاحتياجات الأسر.

كما جرى تشكيل لجان فنية لحصر الاحتياجات الفعلية للمحافظات، إلى جانب لجنة مشتركة في العاصمة المؤقتة عدن لتقييم أداء محطات وطرمبات الغاز ومدى التزامها بضوابط الأمن والسلامة.

وأكدت الوزارة أنها ستتخذ إجراءات بحق المحطات المخالفة، بالتزامن مع تحذيرات من الاحتكار والتلاعب بالكميات والأسعار.

تعز .. الطوابير تختصر حجم المعاناة

في تعز، لا تبدو الحاجة إلى كثير من البيانات الرسمية لإثبات حجم الأزمة؛ فالطوابير الطويلة أمام المحطات تعكس واقعًا يعيشه المواطن بصورة مباشرة.

ومع محدودية عدد المحطات العاملة، يجد المواطن نفسه أمام خيارين صعبين: الانتظار لساعات للحصول على أسطوانة الغاز، أو الانتقال إلى محطة أخرى بحثًا عن فرصة أفضل، دون ضمان توفر المادة فيها.

وتزداد وطأة الأزمة على الأسر التي تعتمد على الغاز بصورة أساسية في الطهي، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.

أزمة سلسلة إمداد .. لا أزمة إنتاج فقط

المؤشرات الحالية تقود إلى نتيجة واضحة: أزمة الغاز في اليمن لم تعد أزمة إنتاج فقط، وإنما أزمة سلسلة إمداد متكاملة.

فعودة معامل صافر إلى العمل تمثل خطوة مهمة، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا استمرت العراقيل أمام حركة المقطورات، أو بقي الطلب مرتفعًا، أو استمر استخدام الغاز خارج القطاع المنزلي، إلى جانب احتمالات التهريب ومشكلات التوزيع والرقابة.

وبعبارة أكثر وضوحًا، فإن إنتاج الغاز شيء، ووصوله إلى أسطوانة المواطن شيء آخر.

اختبار للوعود الرسمية

وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الإنتاج تحسن وأن أزمة الإمدادات يفترض أن تبدأ بالانحسار خلال أيام، فإن استمرار الطوابير في تعز ومحافظات أخرى يضع هذه التصريحات أمام اختبار عملي.

فالمواطن لا يقيس نجاح خطط الطوارئ بعدد المعامل التي عادت إلى العمل، وإنما بالنتيجة النهائية: هل يستطيع الحصول على أسطوانة الغاز بسهولة وبسعر عادل؟
وإذا استمرت الطوابير خلال الأيام المقبلة، فإن ذلك سيؤكد أن معالجة الأزمة تحتاج إلى أكثر من إعادة تشغيل معامل الإنتاج، وتتطلب ضبط سلسلة الإمداد كاملة، من الإنتاج والنقل إلى التوزيع والرقابة ووصول الغاز إلى الأسر.

وفي انتظار ذلك، يبقى المواطن اليمني أمام المحطات، يحمل أسطوانته وينتظر دوره، بينما تتحول أزمة الغاز إلى واحدة من أكثر الأزمات اليومية تأثيرًا على حياة الأسر.

        رأيك 🫵 يهمنا، ضع رأيك بالخبر أو الموقع بكل وضوح وصراحة!    

للتعليق، اضغـ👇ـط زر التعليق المباشر:

اضغط هنا للتعليق المباشر 📥

⚠️ تنبيه: انتقد ولكن بأدب وأخلاق دون تجريح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى