قرار إقصاء علي مجرفة… اختبار حقيقي لعقلية المجلس الانتقالي

مقال رأي/عدن/الدستور الإخبارية/خاص:

في مشهدٍ يثير الكثير من الاستغراب والتساؤلات، تتكرر ممارسات سياسية تعكس خللًا عميقًا في فهم العمل المؤسسي، وتكشف عن عقلياتٍ لا تزال أسيرة الإقصاء وردود الفعل، بدلًا من الاحتكام إلى القوانين واللوائح المنظمة.

ما صدر بحق القيادي علي مجرفة من إلغاء عضويته في مجلس المستشارين للمجلس الانتقالي، على خلفية مواقف شخصية أو اجتهادات لا تخرج عن إطار القناعة السياسية، يضعنا أمام تساؤل مشروع: هل بات التعبير عن الرأي أو اتخاذ موقف مستقل سببًا للعقاب؟ وأين تقف حدود العمل المؤسسي في مثل هذه القرارات؟

إن التوضيح الذي قدمه مجرفة يكشف بجلاء أنه لم يخرج عن ثوابته، ولم يتنكر لمسيرته، بل تمسك بمواقفه في أصعب الظروف، حين رفض سابقًا الانخراط في تحركات لم يقتنع بها، سواء ما يتعلق بالذهاب إلى الشهراني أو الانضمام إلى كيانات أخرى، رغم الضغوط والتحديات. وهي مواقف تُحسب له من حيث الثبات على القناعة، لا أن تُستخدم ذريعة للإقصاء.

الأخطر في هذا المشهد ليس القرار بحد ذاته، بل ما يعكسه من ذهنية تُدير الخلاف بأسلوب عقابي، وتتعامل مع التعدد في الرأي كخطر يجب إسكاته، لا كحالة صحية تُثري العمل السياسي. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لعقلياتٍ بهذا النمط أن تقود مشروع دولة، بينما هي عاجزة عن استيعاب رأيٍ مختلف داخل إطارها ذاته؟

إن العمل السياسي الناضج لا يُقاس بمدى السيطرة على الأصوات، بل بقدرته على استيعابها وتنظيمها ضمن إطار قانوني واضح. أما اللجوء إلى إجراءات تُوصف بغير القانونية، كما أشار مجرفة، فهو مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بغياب المعايير المؤسسية، واستبدالها بردود أفعال آنية.

ولا يمكن تجاهل أن حضور مجرفة كضيف شرف، بصفته الشخصية، لا يمثل خرقًا تنظيميًا بقدر ما يعكس حقًا طبيعيًا لأي شخصية سياسية في التحرك ضمن قناعاتها، ما لم تكن هناك نصوص واضحة تُجرّم ذلك. وهو ما أكده في توضيحه، مشيرًا إلى عدم وجود أي التزامات مكتوبة تمنع تحركاته الشخصية.

إن مثل هذه القرارات لا تضعف الأفراد بقدر ما تضعف المؤسسات نفسها، حين تُظهرها بمظهر غير القادر على إدارة الاختلاف. وفي لحظة تحتاج فيها القضية الجنوبية إلى أكبر قدر من التماسك والعقلانية، تأتي هذه الممارسات لتفتح أبواب الشك حول طبيعة المرحلة وأدوات إدارتها.

ختامًا، يبقى السؤال مفتوحًا وبصوتٍ عالٍ: هل بهذه العقليات التي يغلب عليها الإقصاء والاحتقان يمكن أن تُبنى دولة؟ أم أن المرحلة تفرض مراجعة جادة تعيد الاعتبار للعقل، وللقانون، ولحق الاختلاف كجزء أصيل من أي مشروع وطني؟

 

#علي_المسقعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى