ترامب يغير خريطة الطاقة العالمية
أخبار وتقارير/متابعات خاصة/الدستور الاخبارية

على مدى 55 عاماً، أسهم تعاقب الرؤساء الأمريكيين في إحداث تغييرات متباينة في خريطة الطاقة العالمية، تراوحت آثارها بين المؤقتة والدائمة، وانعكست على جانبي العرض والطلب في أسواق الطاقة، إلا أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً يوصف بالتاريخي، مع تصاعد الدور الأمريكي في توظيف الطاقة، ولا سيما الغاز المسال، كأداة رئيسية في السياسة الخارجية والأمن القومي.
وشهدت سبعينيات القرن الماضي أبرز التحولات خلال عهدي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، عندما دفعت المقاطعة النفطية العربية عام 1973 الولايات المتحدة إلى تقليص الاعتماد على النفط، خصوصاً في قطاع الكهرباء، لصالح الفحم والطاقة النووية، إضافة إلى تعزيز كفاءة الطاقة وفرض قيود على السرعات في الطرق السريعة. كما أسهمت الحروب والعقوبات الأمريكية عبر العقود في تغيير مسارات أسواق الطاقة العالمية.
غير أن ما يحدث في عهد الرئيس دونالد ترامب، بحسب محللين، يمثل تحولاً أعمق وأطول أثراً، نظراً لمكانة الولايات المتحدة بوصفها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، وإحدى أبرز الدول المصدرة للنفط.
وتبرز هنا تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسات تعكس توجهات الرئيس نفسه أم تعبيراً عن إستراتيجية “الدولة العميقة”، إلا أن المؤكد هو تبني واشنطن مسارين رئيسيين في مجال الطاقة سيستمران لفترة طويلة: استخدام الغاز المسال كأداة نفوذ سياسي خارجي، وتحجيم المنافسين، وفي مقدمتهم روسيا والصين، عبر السيطرة على مصادر الطاقة ومساراتها.
في المقابل، تبقى بعض سياسات ترامب محل جدل، مثل سعيه إلى إبقاء أسعار النفط منخفضة، ومعارضته لمشاريع طاقة الرياح البحرية، وموقفه من السيارات الكهربائية، إضافة إلى رغبته في ملء الاحتياطي النفطي الإستراتيجي. ويرى خبراء أن هذه التوجهات قد تتغير مع قدوم إدارات جديدة، كما أن طموح زيادة إنتاج النفط الأمريكي يصطدم بواقع النفط الصخري، الذي يعاني معدلات نضوب مرتفعة وتراجع الاستثمارات، خاصة في ظل انخفاض الأسعار وارتفاع أسعار الفائدة.
الغاز المسال والأمن القومي
منذ تسعينيات القرن الماضي، ارتبط الغاز المسال بالأمن القومي الأمريكي، عندما كانت واشنطن تتوقع نضوب إمداداتها المحلية وتعتمد على الاستيراد، لا سيما من قطر، إلا أن ثورة الغاز الصخري قلبت المعادلة، محولة الولايات المتحدة من مستورد إلى مصدر رئيسي، ودفعت إلى دعم إنشاء محطات تسييل وتصدير الغاز.
وتعزز هذا التوجه بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، ثم مع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث كثفت واشنطن ضغوطها على أوروبا لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي وإحلال الغاز الأمريكي محله.
وأسفرت هذه السياسات عن تراجع الصادرات الروسية إلى أوروبا، مقابل صعود الولايات المتحدة إلى مصاف أكبر مصدري الغاز عالمياً.
كما فرضت واشنطن عقوبات على مشاريع الغاز المسال الروسية الجديدة وناقلاتها، في إطار ما تصفه بدوافع سياسية تتعلق بالحرب، بينما يرى محللون أن الهدف الحقيقي هو حماية الغاز الأمريكي بوصفه أداة إستراتيجية في السياسة الخارجية.
في المقابل، أعادت الصين صياغة إستراتيجيتها الطاقوية، عبر زيادة إنتاجها المحلي من الغاز، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتعزيز وارداتها من روسيا عبر الأنابيب، إضافة إلى استيراد الغاز المسال من محطات روسية خاضعة للعقوبات الأمريكية، لتقليل اعتمادها على المسارات البحرية الحساسة.
ويشير مراقبون إلى أن ما يجري يمثل فصلاً واحداً فقط من “حروب الغاز المسال”، في ظل صراع متصاعد على النفوذ الطاقوي، يتجاوز الأبعاد الاقتصادية ليطال الأمن القومي والتحالفات الدولية، مرجحين أن تستمر تداعياته لعقود مقبلة.







