عدن بين ثلاث جبهات.. قراءة في مؤتمر المحافظ شيخ
تحليل/الدستور الإخبارية/خاص:

نبيل غالب
لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن عبدالرحمن شيخ، مجرد سرد إنشائي للإنجازات، بل كان تشريحاً دقيقاً لواقع عاصمة تخوض حرباً على ثلاث جبهات متزامنة، تبدأ من جبهة أمنية في الجبال، ولا تنتهي بجبهة إنسانية في المخيمات، مروراً بجبهة خدمية في محطات الكهرباء، وهي جبهات متداخلة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى.
ففي مستهل حديثه، كشف المحافظ عن تحول استراتيجي في العمل الأمني، لم يعد مقتصراً على تأمين الشارع، بل انتقل إلى تطهير الجغرافيا الوعرة، مستعرضاً الإجراءات الاحترازية وعمليات التفتيش والتمشيط في المرتفعات والجبال لرصد وتعقب وضبط الخلايا الإرهابية المدعومة من مليشيا الحوثي التي تعمل ضمن شبكات منظمة لتنفيذ الاغتيالات واستهداف الأمن، ومشيراً في هذا السياق إلى تمكن الأجهزة من ضبط مطلوبين أمنيين كانوا متوارين منذ سنوات في جبال شمسان إلى جانب خلايا حوثية إرهابية، مؤكداً أن عمليات الضبط تمت وفق الإجراءات القانونية والنظم المؤسسية.
ولم يكتف المحافظ بسرد الإنجاز الأمني، بل ربطه مباشرة بالقضاء، حين شدد على أن أمن المواطنين أولوية لا تهاون فيها، داعياً إلى رفع اليقظة والحس الأمني وتعزيز التعاون بين المواطنين والأجهزة واللجان المجتمعية والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة، ومنوهاً في ذات الوقت إلى أهمية اضطلاع القضاء بمسؤولياته في سرعة البت في قضايا الخلايا والتخابر وتنفيذ قرارات مجلس القيادة الرئاسي بشأن أحكام الإعدام وفق القانون، وهي رسالة واضحة بأن زمن الاحتجاز المفتوح انتهى، قبل أن يوجه رسالة أخرى لوسائل الإعلام والصحفيين للإسهام في تعزيز الوعي بمخاطر المظاهر المسلحة وإطلاق النار والألعاب النارية في الأعراس لما تمثله من تهديد للسلامة العامة.
ومن الجبل، انتقل المحافظ إلى المخيم، حيث استعرض الملف الإنساني الذي يشكل العبء الأثقل على العاصمة، مقدماً رقماً صادماً يكشف حجم الأزمة، إذ تجاوز عدد الأسر النازحة في مخيمي الفردوس الأول والثاني حتى 18 أكتوبر الجاري 6615 أسرة و39115 فرداً، موضحاً أن العاصمة تتحمل أعباء متنامية في استضافة الأسر وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ومشيراً إلى أن السلطة كثفت جهودها الإغاثية عبر توزيع 60 ألف سلة غذائية مقدمة من البرنامج الإغاثي للشؤون المدنية في القوات المشتركة السعودية، إلى جانب العمل على توفير الاحتياجات الصحية والتعليمية ومستلزمات الإيواء.
إلا أن هذا الجهد، ورغم أهميته، اصطدم بحقيقة مرة اعترف بها المحافظ علناً حين لفت إلى وجود فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات المتزايدة ومستوى الدعم المتاح، في ظل تعدد المخيمات وتفاوت ظروفها بين مخيمات قائمة منذ حرب 2015 ومخيمات مستحدثة، مؤكداً أن السلطة المحلية لا تستطيع وحدها الاستجابة وتحتاج تدخلاً أوسع من الحكومة والمنظمات والشركاء، وهو اعتراف شجاع يمثل نداء استغاثة مغلفاً بلغة دبلوماسية، وفي هذا الإطار نفى صدور أي توجيهات بمنع تأجير المساكن للنازحين، مؤكداً أن التأجير متاح وفق الاشتراطات المنظمة وبالتنسيق مع الجهات المعنية لتيسير حصولهم على السكن، في خطوة استباقية لمنع أي فتنة مجتمعية.
ولم يفصل المحافظ هذا الواقع الإنساني عن واقع الحرب، فاستعرض في سياق متصل جهود إسناد الجبهات المتضررة من التصعيد الحوثي ودعم صمود المقاتلين، مؤكداً أن استقرار عدن يرتبط بتكامل الجهود في الجبهات، ولافتاً إلى أن صمود تعز وثباتها يمثلان أهمية كبيرة لعدن، داعياً الصحفيين إلى الاضطلاع بدورهم في رفع معنويات المواطنين وتغليب المصلحة العامة على الخلافات والتركيز على مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية.
ومن تداعيات الحرب، عاد المحافظ ليضع الحلول الخدمية على الطاولة، مستعرضاً المشاريع الجاري تنفيذها ضمن البرنامج الاستثماري للعام 2026 لتحسين البنية التحتية، والتي تشمل تعزيز شبكة توزيع الكهرباء ورفع القدرة الاستيعابية لخزانات المياه في منطقة البرزخ وسفلتة الطرق وإعادة تأهيلها ومشاريع النظافة والتحسين، موضحاً في ملف الكهرباء أنه يتعامل بفلسفة إدارة الممكن لا بيع الوهم، حيث كشف أن المحطة السعودية التي وصلت قدرتها 25 ميجاوات فيما يتوقع وصول 75 ميجاوات إضافية خلال أيام وتركيبها وإدخالها الخدمة لتعزيز القدرة التوليدية، مؤكداً أن السلطة تعمل وفق الإمكانات المتاحة وبالتنسيق مع الجهات الحكومية في ظل محدودية الموارد.
ويتصل بهذا التوجه الواقعي، ما كشفه المحافظ من قرارات تكشف عن توجه اقتصادي جديد، إذ خصص 600 مليون ريال من ميزانية السلطة لدعم المعلمين مساندة للقطاع التعليمي وتخفيفاً لأعبائهم المعيشية، كما قدم دعماً مالياً للمستشفيات الحكومية بينها الجمهورية والصداقة والأمراض النفسية، معتزماً إحداث تصحيح جذري في أوضاع مستشفى الصداقة لتحسين أدائه، وعارضاً على وزارة الصحة تسلم مستشفى صلاح الدين لدعمه وتجهيزه نظراً لموقعه القريب من الجبهات.
وتكتمل هذه الصورة بالإجراءات التي اتخذتها السلطة لإعادة تنظيم ملف الأراضي وإجراء تغييرات إدارية لمعالجة الاختلالات وتحسين الإيرادات وإعادة ترتيب العلاقة بين هيئة الأراضي والمنطقة الحرة والحكومة بما يحقق التكامل ويحفظ مصالح عدن، مشيراً إلى أن جهود تطوير التحصيل أسهمت في رفع حصيلة ضريبة القات إلى 65 مليون ريال مع خطة لزيادتها إلى 100 مليون، وهو ما يعزز موارد السلطة للوفاء بالتزاماتها.
وفيما يتعلق بأزمة الغاز التي تمس حياة المواطن اليومية، أوضح المحافظ أن السلطة نسقت مع الحكومة لفتح المجال أمام التجار لاستيراد الغاز بهدف زيادة المعروض، مبيناً أن زيادة عدد المركبات العاملة بالغاز وتحويل مولدات عدد من الأسواق والمولات والفنادق للعمل به أسهمت في زيادة الضغط على الإمدادات، مؤكداً إدراكه لمعاناة المواطنين وعمله على معالجة الاختلالات وتوسيع الخيارات.
واختتم المحافظ مؤتمره بالتأكيد على أن السلطة ماضية في تنفيذ المشاريع وفق الأولويات واحتياجات العاصمة واستكمال القائمة والتحضير لأخرى، مشدداً على أن المرحلة تتطلب تكامل الجهود بين السلطة والحكومة والأجهزة والمجتمع والمنظمات وتغليب المصلحة العامة بما يعزز أمن العاصمة واستقرارها ومواجهة تداعياتها الإنسانية وتحسين الخدمات، وهي خلاصة يمكن تلخيصها بأن عدن تتحمل ما لا تحتمل وتقاتل بلا أدوات كافية، فالمحافظ لم يعد بمدينة فاضلة، بل صارح أهلها بأنه يدير أزمة بميزانية لا تكفي، وترك لهم أن يقرروا هل يكونون شركاء في الصمود أم متفرجين على الانهيار.










