دافوس تحت صدمة ترامب .. ما القادم؟

أخبار وتقارير/وكالات/الدستور الاخبارية

 

في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، لم يكن ظهور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد مشاركة بروتوكولية، بل بدا، وفق الكاتب روبرت دوفر، إيذاناً ببداية مرحلة عالمية جديدة، تتراجع فيها قواعد النظام الدولي التقليدي لصالح منطق القوة العارية.

وقال روبرت دوفر، أستاذ الاستخبارات والأمن القومي وعميد هيئة التدريس في جامعة هال في المملكة المتحدة، وهومن أبرز الباحثين في شؤون الأمن الدولي وتحليل السياسات الاستراتيجية، في مقاله بموقع مجلة “كونفيرزيشن” ونقله موقع “آسيا تايمز”، إن اهتمام ترامب بالوضع الاستراتيجي لغرينلاند قد يكون من حيث المبدأ مفهوماً، غير أن الطريقة التي أدار بها الملف تفتقر إلى الحكمة السياسية، وقد تؤدي إلى تصدع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإلحاق ضرر طويل الأمد بالعلاقات السياسية والاقتصادية عبر شمال الأطلسي.

غرينلاند … طموح أمريكي وردود حائرة

أوضح الكاتب أن السؤال الذي شغل قادة العالم المجتمعين في دافوس طوال الأسبوع كان: كيف ينبغي الرد على طموح ترامب لامتلاك غرينلاند بالترغيب أو بالترهيب؟

وأضاف أن خطاب ترامب في 21 يناير (كانون الثاني)، الذي بدا فيه وكأنه يستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية، إلى جانب حديثه لاحقاً عن التوصل إلى ما سماه “اتفاقاً إطارياً” مع الأمين العام للناتو مارك روته، منح الحاضرين شيئاً يمكن البناء عليه.

وتابع الكاتب أن حلفاء الولايات المتحدة يواجهون الآن مجموعة من الخيارات الصعبة: الانتظار حتى انتهاء ما تبقى من ولاية ترامب (نحو 1093 يوماً) على أمل ألا يحدث ما هو أسوأ؛ أو استرضاء ترامب عبر القبول ببعض مطالبه، أو تفعيل “البازوكا الاقتصادية” التي لوّح بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رغم أن هذا الخيار بات أقل ترجيحاً بعد تراجع ترامب عن تهديده بفرض عقوبات إضافية على الدول المعارضة لخطته بشأن غرينلاند، أو، في المقابل، مقاومة أي عدوان أميركي محتمل تجاه غرينلاند، مع الإشارة إلى أن ترامب تراجع – في الوقت الراهن على الأقل – عن تهديده باستخدام القوة.

موقع استراتيجي وثروات واعدة

قال الكاتب إن ترامب عرض اهتمامه بغرينلاند في خطاب دافوس ضمن إطار استراتيجي واضح. فقاعدة بيتوفيك الفضائية (المعروفة سابقاً بقاعدة ثولي الجوية) تُعد موقعاً مثالياً لمراقبة الأنشطة الجوية والبحرية الروسية والصينية، كما تمثل محطة إنذار مبكر لحماية الصواريخ.

وأضاف أن هذا الأمر يكتسب أهمية متزايدة في ظل النشاط العسكري الروسي والمطالب المعلنة بالسيطرة على المنطقة القطبية، فضلاً عن حديث الصين عن طريق الحرير القطبي.

وأوضح الكاتب أن ذوبان الجليد في غرينلاند كشف عن ثامن أكبر احتياطي عالمي من العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب تقديرات بوجود نحو 31 مليار برميل من النفط. وهذه الموارد، بحسب الكاتب، ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على الصين وتعزيز هيمنتها في مجالي الطاقة والمعادن.

وتابع أن ترامب شدد في خطابه على احتياجات أميركا من الطاقة، مدعياً في الوقت نفسه أنه لا يطمع في ثروات غرينلاند المعدنية.

كما أشار إلى أن ذوبان الجليد فتح أيضاً طرق شحن جديدة في القطب الشمالي، ما جعل غرينلاند موقعاً استراتيجياً للتأثير في التجارة العالمية وإسقاط القوة العسكرية.

منطق الملكية بدل الشراكة

أوضح الكاتب أن ترامب قدّم رغبته في امتلاك غرينلاند بوصفها جزءاً من طموحه لتوفير الأمن للغرب بأسره، قائلاً في منتدى دافوس إن امتلاك الجزيرة سيسمح له ببناء أعظم قبة ذهبية على الإطلاق كنظام دفاع صاروخي يحمي العالم كله.

لكن الكاتب لفت النظر إلى أن ترامب صاغ نياته بلغة وجودية ذات صدى عقاري، حين قال: “كل ما نطلبه هو الحصول على غرينلاند ، بما في ذلك الحق والملكية والتصرف، لأنك تحتاج إلى الملكية للدفاع عنها. لا يمكنك الدفاع عنها بعقد إيجار”.

وأضاف الكاتب أن هذا الطرح غير دقيق، إذ إن الدنمارك أوضحت أن الولايات المتحدة مرحب بها لتعزيز وجودها العسكري في الجزيرة، مشيرة إلى أن عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين كانوا متمركزين هناك خلال الحرب الباردة.

وتابع أن واشنطن ستكون أيضاً موضع ترحيب للاستثمار في استكشاف المعادن بالتعاون مع الدنمارك، فضلاً عن حقيقة أن الدنمارك لا تستطيع بيع غرينلاند دون موافقة سكانها البالغ عددهم نحو 57 ألف نسمة

غير أن الكاتب رأى أن تحويل القضية إلى صراع قوة فجّ جعل المشهد أشبه باللعبة الكبرى في القرن التاسع عشر بين القوى الاستعمارية.

القانون الدولي في مهب الريح

أشار الكاتب إلى أن ستيفن ميلر، المستشار البارز لترامب، صرّح أخيراً بأن العالم كان دائماً محكوماً بالقوة لا بمجاملة القانون الدولي.

وأضاف أن ترامب نفسه ذهب أبعد من ذلك حين قال في مقابلة مطوّلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” نُشرت في 11 يناير: “لا أحتاج إلى القانون الدولي”، وإن ما يقيّده فقط هو “أخلاقي الخاصة وعقلي الخاص”.

ورأى الكاتب أن مثل هذه التصريحات تكشف تحوّلاً خطيراً في الفلسفة السياسية الأميركية، من قيادة النظام الدولي إلى تقويضه من الداخل.

هل تصبح أميركا خصماً لأوروبا؟

قال الكاتب إنه إذا وصل الأمر إلى مواجهة فعلية، فستجد أوروبا صعوبة بالغة في مقاومة الولايات المتحدة، نظراً للتشابك الاقتصادي والعسكري شبه العضوي بين الطرفين.

وأضاف أن أي انفصال ستكون له عواقب وخيمة، تشمل تضرر القدرات العسكرية والاستخباراتية، وتقييد الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة والتمويل العالمي.

وأوضح أن وضع بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، بعد “بريكست”، يبدو – إن لم يكن أسوأ – أكثر هشاشة في هذا السياق.

وتابع الكاتب أن إدراكاً متنامياً بدأ يتشكل في أوروبا بأن الولايات المتحدة قد تكون خصماً لا حليفاً.

واستشهد بتصريح رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر في إحدى جلسات دافوس، حين قال إن “عدداً من الخطوط الحمراء يتم تجاوزه”، وإن أوروبا تواجه خطر فقدان احترامها لذاتها، مضيفاً: “أن تكون تابعاً سعيداً شيء، وأن تكون عبداً تعيساً شيء آخر. إذا تراجعت الآن فستفقد كرامتك”.

خطابان وعالم يتغير

أوضح الكاتب أن كثيرين قارنوا بين خطاب ترامب في 21 يناير (كانون الثاني) وخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في اليوم السابق، والذي اعتبره بعض الصحفيين خطاباً مفصلياً يضاهي خطاب تشرشل حول الستار الحديدي.

وأضاف أن كارني تحدث عن تمزق في النظام العالمي، ونهاية وهم لطيف، وبداية واقع قاسٍ، مشيراً إلى أن النظام القائم على القواعد يتلاشى، وأن المؤسسات متعددة الأطراف التي يعتمد عليها العالم باتت مهددة بهيمنة القوى الكبرى.

وتابع الكاتب أن كارني دعا بقية دول العالم إلى التوقف عن التظاهر بأن الأمور على ما يرام، ومواجهة الواقع الجديد بشجاعة.

بين الاسترضاء والمقاومة

خلص الكاتب إلى أن شركاء الولايات المتحدة في حلف الناتو يقفون اليوم أمام خيار مصيري: هل يسترضون ترامب أم يقاومون اندفاعه نحو إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي بالقوة؟
وقال إن هذا القرار سيصبح أوضح حالما تتكشف تفاصيل “الاتفاق الإطاري” الموعود بشأن مستقبل غرينلاند .

وفي جميع الأحوال، فإن ما جرى في دافوس لا يمكن اعتباره حادثاً عابراً، بل علامة فارقة على بداية عصر عالمي جديد يتراجع فيه القانون لصالح منطق الهيمنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى