العثُّ الذي ينام معك.. حقيقة أقرب مما تتخيّل!
صحة/الدستور الإخبارية/خاص:

إعداد القاضي أنيس صالح جمعان
“العثُّ”عالم يزحف وأنت نائم
تخيّل للحظة أنك لست وحدك أثناء نومك في سريرك الليلة… هناك مخلوقات 🪲 دقيقة تتحرّك على وجهك بالعشرات الآن، بل مئات المخلوقات المجهرية تشترك معك في هذه المساحة، بعضها يزحف بهدوء على وجهك، وبعضها الآخر يحتفي بوجبة دسمة تحت أغطيتك.
قد يبدو الأمر كمشهد من فيلم رعب، ولكنه حقيقة علمية مذهلة نعيشها كل ليلة. هذه الكائنات الصغيرة -المسماة بالعث- ليست مجرد دخلاء، بل هي جزء من نظام بيئي مصغر نحمله على أجسادنا ونعيش معه في بيوتنا.
قد يبدو الأمر مقزّزاً…
لكنّه حقيقي تماماً!
ففي كل ليلة، وبينما تغرق في نومٍ عميق، تستيقظ كائنات مجهرية تنام معك غالباً تُسمّى عثّ الوجه الديموديكس (Demodex) المجهري لتبدأ مغامرتها فوق بشرتك، الذي يعيش في بصيلات الشعر ويخرج ليلاً للتزاوج، أو عث الغبار المنزلي الذي يعيش في الفراش ويسبب الحساسية.. عث الوجه مجهري ولا يُشعر به، بينما عث الغبار هو سبب أعراض الحساسية مثل العطاس والحكة.
هذه الكائنات الصغيرة 🪲 تعيش معنا دون أن نشعر بها، وتختبئ نهاراً في بصيلات الشعر ومسام البشرة، خاصة في منطقة الأنف والذقن والخدّين والجبهة وفي رموش العين، والحواجب، ومسام الوجه. يبلغ طول الواحدة منها أقل من نصف مليمتر، أي أنك لا تستطيع رؤيتها بالعين المجردة حتى بالمجهر البسيط
إطلاقا!
رحلتها الليلية
مع حلول الظلام…
تخرج هذه المخلوقات من مخابئها الدقيقة، تتحرّك ببطء فوق بشرتك، تتزاوج، وتتغذّى على الخلايا الجلد الميتة والزيوت التي يفرزها وجهك.
والمذهل أنها رغم غرابتها تؤدّي دوراً مهماً دون أن تدري في تنظيف البشرة من الخلايا الميتة والمساعدة على تجديد الجلد بشكلٍ طبيعي كل يوم. تجديدها.
لكن انتبه…
عندما يزداد عددها عن الحد الطبيعي، تبدأ المشكلات: التهابات، حبوب، احمرار، وحكة؛ لذلك فإن العناية بالنظافة الشخصية للوجه وغسل الوسادة بانتظام ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية بشرتك من جيشٍ صغير لا تراه!
الحكمة النبوية في نْفُضْ الفِرَاشَ
يُعتبر نفض الفراش وسيلة للوقاية من الأذى والهوام، والإعجاز العلمي في نفض الفراش قبل النوم يكمن في الحكمة النبوية التي تسبق اكتشافات العصر الحديث، حيث أن نفض الفراش ثلاث مرات يزيل الخلايا الميتة والحشرات الضارة التي قد تتجمع على الفراش أثناء اليوم، مما يحمي الإنسان من الأمراض والعدوى، خاصة أن هذه الخلايا الميتة تتأكسد وتصبح مصدراً للأمراض، والنفض اليدوي ثلاث مرات ثبت علمياً أنه أفضل طريقة للتخلص منها، على عكس المنظفات التي قد لا تفلح في إزالتها.
وجاء في الحديث النبوي الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ).[رواه البخاري ومسلم].
التفسير العلمي والشرعي لسنة نفض الفراش :
➖➖➖➖
(1) إزالة الخلايا الميتة: أثناء النهار، تتساقط خلايا الجلد الميتة من الجسم وتستقر على الفراش، وعند النوم يتجدد سقوطها، ونفض الفراش يزيل هذه الخلايا ويمنع تأكسدها ودخولها للجسم مسبباً الأمراض، وهو ما اكتشفه الغرب لاحقاً.
(2) تجنب الحشرات والدواب: قد تختبئ في الفراش حشرات صغيرة أو دواب مؤذية، والنفض يطردها قبل النوم، مما يضمن سلامة الشخص من اللدغات والعدوى.
(3) الحفاظ على نظافة الثوب: تقليدياً، كان العرب يرتدون ثوباً واحداً للنوم، ونفض الفراش يحافظ على نظافته وستر العورة.
(4) النفض باليد ثلاث مرات: أثبت العلماء أن النفض ثلاث مرات باليد هو الطريقة المثلى لإزالة هذه الخلايا الدقيقة والحشرات الصغيرة التي لا ترى بالعين المجردة، وهذا يتماشى تماماً مع السنة النبوية الشريفة.
أنواع العث الذي يعيش معنا :
➖➖➖➖
يوجد ثلاثة أنواع رئيسية من هذه المخلوقات، كل منهما عالمه وسلوكه المختلف:
(1) عث الوجه (Demodex) :
➖➖➖➖
يطلق عليه عث الوجه الديموديكس (Demodex ): سكان المسام الداخليون.
العنوان: الضيف الصامت في بصيلات شعرك.
مكان السكن: بصيلات الشعر وداخل مسام الوجه خاصة حول العينين والأنف. والجبهة والخدين، وفي جذور الرموش والحواجب.
النشاط الليلي: تخرج تحت جنح الظلام ليلاً للتجول على سطح الجلد، والتزاوج، والتغذي على الزيوت الطبيعية (الزهم) وخلايا الجلد الميتة.
التأثير: غالباً متعايش غير ضار في معظم الأحيان. قد يكون له دور في تنظيف المسام، لكن عند تكاثره يسبب حب الشباب، التهاب الجفون، أو الحساسية الجلدية.
معلومة غريبة: نرث هذه الكائنات غالباً من أمهاتنا خلال الأشهر الأولى من الحياة، لتصبح جزءاً من ميكروبيومنا الشخصي!
(2) عث الغبار المنزلي (Dust Mites) :
➖➖➖➖
يطلق عليه مملكة الفراش.
العنوان: السبب الخفي وراء حساسيتك الصباحية.
مكان السكن: أعماق الوسائد، والفراش، والأغطية والسجاد، والأثاث المنجد – أي مكان تتساقط فيه خلايا جلدك الميتة.
النشاط الليلي: يتغذى بشكل أساسي على خلايا الجلد الميتة التي تتساقط أثناء النوم منها يومياً (نحن نسقط حوالي 1.5 جرام من الجلد يومياً).
التأثير: مصدر إزعاج رئيسي. الضرر لا يأتي من قرصتها (فهي لا تلدغ) بل من مخلفاتها البرازية وأجسامها الميتة. هذه الجسيمات الدقيقة تعلق في الهواء وتسبب استجابة تحسسية قوية لدى الكثيرين، وهي من أهم مسببات الحساسية مثل العطس، سيلان الأنف، حكة العينين، وضيق التنفس.
(3) عث الملابس والسوس (Tineola bisselliella) :
➖➖➖➖
تعرف باسم عثة الملابس الشائعة أو عثة الملابس أو عثة الأشرطة المنسوجة.
مكان السكن: الملابس الصوفية والحريرية، الغبار، خزائن الملابس.
التأثير: قد يسبب حساسية للبعض، وقد يتلف الأقمشة.
كيف تتعامل مع عث الغبار (حساسية الفراش) ونقلّل تأثيره:
➖➖➖➖
لا يمكن، ولا ينصح، بتطهير أجسامنا أو بيوتنا من هذه الكائنات بالكامل. الهدف هو التحكم في أعدادها لمنع المشاكل، ويتم ذلك من خلال الآتي:
(1) الحرارة سلاحك: اغسل أغطية الوسائد والشراشف أسبوعياً بماء لا تقل حرارته عن 60°م لقتل العث وبيضه بشكل فعال.
(2) أغلفة واقية: استخدام أغطية مضادة لعثّ الفراش خاصة لمن يعانون من الحساسية (محكمة الإغلاق) للوسائد والفراش، تحبس العث داخلها وتمنع وصول مخلفاتها إليك.
(3) تهوية المنزل وتعريض الفراش للشمس.. فأشعة الشمس تُضعف تكاثر العث.
(4) امنعهم المأوى: قلل من السجاد وتنظيفه بانتظام والستائر الثقيلة والأثاث المنجد في غرفة النوم. وكنس السجاد والفراش بمكنسة مزودة بفلتر HEPA، فالسجاد والفرش هو الموطن المفضل للعث.
(5) الرطوبة عدوك: حافظ على رطوبة منخفضة في المنزل (أقل من 50%) باستخدام مزيل الرطوبة، فالعث يعشق الأجواء الرطبة.
(6) غسل الوجه وإزالة الزيوت قبل النوم لمنع زيادة الديموديكس على البشرة.
كيف تتعامل مع عث الوجه (للحفاظ على صحة البشرة) :
➖➖➖➖
(1) النظافة اللطيفة: اغسل وجهك مرتين يومياً بغسول لطيف لإزالة الزيوت الزائدة وخلايا الجلد الميتة (التي تمثل غذاءً للعث).
(2) النظافة الشخصية: نظف فرش الماكياج بانتظام، ولا تشارك المناشف أو أدوات التجميل.
(3) انتبه للمنتجات: الإفراط في استخدام الزيوت والكريمات الثقيلة قد يخلق بيئة خصبة للتكاثر المفرط.
(4) استشر طبيب الجلدية: إذا كنت تعاني من التهاب جلد، احمرار، أو حبوب مستمرة في مناطق معينة (خاصة حول العينين والأنف)، فقد يكون عث الديموديكس عاملاً مساهماً، ويوجد علاجات موضعية فعالة يصفها الطبيب.
معلومة مذهلة… العث يرثه الإنسان
اكتشف العلماء أن بعض أنواع العث تنتقل من جيلٍ إلى آخر!
نعم… العث الموجود على وجهك الآن قد يعود لأسلاف من عائلتك منذ مئات السنين!
الخلاصة:
دعونا نعيد النظر في مفهوم (النظافة)
(1) وجود هذه المخلوقات لا يعني أننا قذرون.. العث، وخاصة ديموديكس، هو جزء طبيعي من النظام البيئي البشري، مثل البكتيريا النافعة في أمعائنا. لقد تطورنا معاً على مر العصور.
(2) المفتاح هو التوازن. عندما نخل بهذا التوازن سواء بالإهمال أو بالمحاولات المفرطة في التعقيم – تظهر المشاكل. الفهم هو أول خطوة نحو التعايش السلمي. ففي المرة القادمة التي تستلقي فيها على وسادتك، تذكر أنك لست محارباً في ساحة معركة، بل أنت جزء من عالم معقد وحيوي… حتى في منتصف الليل.
الخاتمة:
باختصار، الحل في نفض الفراش ليس مجرد عادة، بل هو سنة نبوية تحتوي على إعجاز علمي يهدف لحماية صحة المسلم من الأضرار الخفية، وهو ما يظهر جلياً في التزام النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه السنة قبل كل نوم.
القاضي أنيس صالح جمعان
8 ديسمبر 2025م







